إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أحب الكل وأنت بعيد عن الكل
الأنبا ارسانيوس

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 21 جـ5 PDF Print Email
7. تدخّل أمير الكتيبة

"وبينما هم يطلبون أن يقتلوه، نما خبر إلى أمير الكتيبة أن أورشليم كلها قد اضطربت". [31]

كانت قلعة أنتونيا Antonia حيث تقيم فيها الكتيبة العسكرية الرومانية، شمال غرب الهيكل، مرتبطة بالهيكل بمجموعتين من السلالم حتى يمكن سرعة تحركها عند الضرورة. كانت الكتيبة تضم ألفا من الجند. إذ سمع أمير الكتيبة بمحاولة قتل بولس أخذ معه على الأقل قائدي مئة ومائتين جنديا وتدخل لإنقاذ حياته.

بُنيت قلعة أنتونيا بواسطة رئيس الكهنة يوحنا هيركانوس Hyrcanus ودعاها باريس Baris، وقام هيرودس الكبير بتجميلها وتقويتها، ودعاها أنتونيا نسبة إلى صديقه مرقس أنطوني Mark Anthony، يصفها يوسابيوس بأن لها أربعة أبراج، أحدها يبلغ ارتفاعه 70 ذراعًا، تكشف كل ما يجري داخل الهيكل، تطل على الهيكل. وهي تحوي قشلاقات تسع لحوالي ألف جندي، كل منهم يتواجد بصفة دائمة على أهبة الاستعداد في أية لحظة.

الكلمة المترجمة "أمير كتيبة" وردت عدة مرات في العهد الجديد (مت 27: 65-66؛ يو 18: 12؛ أع 5: 26)، تشير إلى من يقود 1000 شخصًا. اسم أمير الكتيبة هو كلوديوس ليساس (أع 23: 26).

"فللوقت أخذ عسكرًا وقواد مئات وركض إليهم، فلما رأوا الأمير والعسكر، كفّوا عن ضرب بولس". [32]

"حينئذ اقترب الأمير وأمسكه، وأمر أن يقيد بسلسلتين، وطفق يستخبر تُرى من يكون وماذا فعل". [33]

لعله أراد بهذا أن يهدئ من روع الجماهير، بأنه لن يفلت أحد من يد العدالة، وفي نفس الوقت إذ يكون مقيدًا بعسكريين يكون في ذلك حماية له حتى تتم محاكمته. وربما قًيدت أيضًا رجلاه ولكن بطريقة تسمح له بالحركة، وبهذا تحققت نبوة أغابوس (أع 21: 11).

إذ كان الأمير قد خُدع من قبل من ذلك المصري الذي قام بثورة سابقًا، وهرب من بين يدي الجنود،احترس ليسياس هذه المرة، وقيد بولس بسلسلتين، كل منهما مربوطة بيد جندي، فاقتاده جنديان وهو مربوط من كلتا يديه، وقد أحاط به الجند حوله.

"وكان البعض يصرخون بشيء، والبعض بشيء آخر في الجمع، ولمّا لم يقدر أن يعلم اليقين لسبب الشغب، أمر أن يذهب به إلى المعسكر". [34]

إذ سأل الأمير الشعب الثائر: "من هو هذا الإنسان؟ وما هي جريمته؟" كانت الإجابة صرخات بلا معنى. لم يعرفوا حقيقة بماذا يتهمون الرسول؟ كان البعض يصرخ بشيء, وآخرون بشيء آخر. ولم يستطع الأمير ولا رجاله أن يتحققوا الأمر.

"ولمّا صار على الدرج اتفق أن العسكر حمله بسبب عنف الجمع". [35]

حُمل بولس إلى القلعة، وقد تزايدت الصرخات، ولم يعرف أمير الكتيبة ماذا وراء هذا كله.

تشجعت الجماهير المحتشدة المتعصبة بلا فهم حين رأت فريستهم قد صارت في القيود. وإذ كان كثيرون منهم قد وضعوا في قلوبهم أن يسحقوه خدمة لله ولشعبه هجموا عليه وهو في وسط الجنود، وصاروا يضربونه ويلكموه بكل عنف من كل جانب وهم يصرخون: اقتله, اقتله. ولولا أن العسكر حملوه إلى الدرج لمزقته الجماهير.

"لأن جمهور الشعب كانوا يتبعونه صارخين: خذه". [36]

كانت الجماهير في حالة هياج شديد, تساندهم بل وتدفعهم القيادات اليهودية الدينية لقتله. وارتبك الأمير ورجاله, إذ لم يجدوا تفسيرًا منطقيًا لما يحدث.

كان العسكر في حيرة بين ثورة الجماهير وعدم مبالاتهم بوجود الحراسة المشددة وبين ترقبهم للأوامر التي تصدر إليهم من الأمير. وفي وسط هذا كله لم يوجد شخص واحد يلتزم بالهدوء مع السلام الداخلي سوى الرسول بولس نفسه. إذ قارب أن يدخل المعسكر أومأ إلى الأمير ليسأله.

موقف غريب لم يره من قبل الأمير ولا توقعه, خاصة وقد لاحظ ما على سمات الرسول من هدوء, لذا اقترب منه يسمع إليه.

"وإذ قارب بولس أن يدخل المعسكر، قال للأمير: أيجوز لي أن أقول لك شيئًا؟ فقال: أتعرف اليونانية". [37]

تحدث الرسول مع أمير الكتيبة باليونانية، فدُهش لأنه كان يظنه يهودي مصري سبق أن صنع فتنة مدعيًا أنه نبي، خرج وراءه أربعة آلاف شخص إلى جبل الزيتون. وكما يقول يوسيفوس أنه قال لهم سيظهر لهم كيف تتساقط حصون أورشليم، وأنه سيعبر بهم خلال هذه الحصون الساقطة. كما يقول أنه جَمع 30000 نسمة ضللهم وذهب معهم إلى جبل الزيتون، وقال لهم أنه مستعد أن يدخل أورشليم بالقوة. قام فيلكس الوالي بإثباط هذه الحركة بقوى عسكرية قتلت 400 شخصًا منهم وأسروا 200 شخصًا. هرب المصري ولم يظهر بعد. لهذا كان طبيعيًا أن يظن أمير الكتيبة أنه المصري الهارب، قد عاد فثارت الجماهير عليه.

"أفلست أنت المصري الذي صنع قبل هذه الأيام فتنة، وأخرج إلى البرية أربعة الآلاف الرجل من القتلة؟" [38]

إن كان يوسيفوس قد ذكر أنه خدع 30000 شخصًا، بينما يقول الأمير أنه خرج وراءه 4000 شخصًا، فإن ما ذكره القديس لوقا هو ما نطق به الأمير، وربما كان الأمير لا يود ذكر العدد كاملاً حتى لا يعطي لهذا المصري تقديرًا عظيمًا وقدرة على جذب هذا العدد.

يرى البعض أن تقدير الأمير أقرب إلى الحقيقة من تقدير يوسيفوس، لأن الأخير ذكر أن القتلة 400 والمقبوض عليه أحياء 200 شخصًا، وهذا العدد يكون قليلاً جدًا لو أن اتباع المصري 30000 نسمة.

"فقال بولس: أنا رجل يهودي طرسوسي، من أهل مدينة غير دنية من كيليكية، والتمس منك أن تأذن لي أن أُكلم الشعب". [39]

حولت العناية الإلهية هذا الاضطراب للخير، فقد وجد الرسول بولس فرصته للحديث معهم، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه استطاع أن يجتذبهم للاستماع إليه بحديثه معهم بلغتهم المحلية هذا مع رقته ولطفه في الحديث.

اضطر الرسول أن يعلن عن موطنه فهو رجل يهودي شريف المولد، ولد في طرسوس التي اشتهرت بالعلم، وكانت تنافس الإسكندرية وأثينا. دعاها اكسنفون Xenophon مدينة عظيمة مزدهرة. وقال عنها يوسابيوس إنها العاصمة أكثر المدن شهرة بين البلاد الكليليكية. كيهودي من حقه الدخول في الهيكل، وممارسة العبادة فيه، وكرجل متعلم قادر أن يتحدث مع الشعب.

"فلما أذن له، وقف بولس على الدرج، وأشار بيده إلى الشعب، فصار سكوت عظيم، فنادى باللغة العبرانية، قائلاً:" [40]

وقف القديس بولس وهو قليل في جسمه, لكن كان الجميع يرونه وهو على أعلى درجات السلم. يقف بين العسكر وقد حملوا أسلحة برّاقة. كان مربوط بالسلاسل, لكنه كان سيد الموقف كله. هدوءه العجيب وسلامه الداخلي أدهش الكثيرين حتى من الثائرين ضده.

لم يحسب هذا الموقف مخزيًا له, بل كان في قمة المجد, كأنه قد صعد على سلم يعقوب, وارتفع إلى حيث الرب واقف, يحوط به العسكر السمائيون. ويتطلع بقلب ينبض حبًا نحو مقاوميه, لعل نعمة اللَّه تقتنصهم فيختبروا ما يتمتع به من أمجاد داخلية.

إذ وقف على الدرج المؤدي إلى القلعة أشار بيده للجموع، والعجيب أنه صار سكوت عظيم. هذه نعمة إلهية فائقة أن يصمت الثائرون ليسمعوا له. لم يكن يحلم الرسول بولس بهذه الفرصة الرائعة ليشهد لمسيحه أمام جميع طبقات الأمة اليهودية بكافة علمائها ورؤسائها وأتقيائها، أقام اليهود الذين من أورشليم والقادمين من كل أنحاء العالم. لقد وهبه الرب نعمة، فما أن أشار بيده حتى صار سكوت عظيم. يا له من أسير مربوط بسلسلتين صاحب سلطان، لكنه إذ يشير إلى الشعب ينصت منتظرًا أن يسمع منه كلمة.

تحدث معهم لا بالآرامية، لغة عامة الشعب، وإنما بالعبرانية العامية والتي يدعى سريانية-كلدانية، التي لا يتقنها سوى علماء اليهود والكهنة، لغة العبادة والطقس. سمعوه يتحدث بلغتهم الأصلية، لغة الكتاب المقدس، لغة الهيكل والعظماء، فصار سكوت عظيم.


 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك