إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا تجدد ذهن الإنسان يركز نظره فى الأبدية أكثر مما ينظر إلى العالم الحاضر فلا تزعجه الضيقة بل يفرح بها ويرى فيها بركات عديدة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 23 جـ1 PDF Print Email

القديس بولس أمام مجلس السنهدرين


هذا هو الدفاع الثاني للقديس بولس، ولعله الآن إذ يقف أمام مجمع السنهدرين كان يأمل أن يكشف لهم الحق الإنجيلي، فهم على دراية بالناموس والأنبياء، لكن آذانهم كانت صماء وعيونهم قد أصابها العمي الروحي، لم يكن ممكنًا لهم أن يقبلوا الحق.

1. ضربه على فمه 1-5.

2. منازعة في المجمع 6-9.

3. ظهور الرب له 10-11.

4. مؤامرة لقتله 12-15.

5. اكتشاف المؤامرة 16-21.

6. إرساله إلى قيصرية 22-25.

7. رسالة إلى فيلكس 26-30.

8. بلوغه قيصرية 31-35.

1. ضربه على فمه

"فتفرس بولس في المجمع وقال: أيها الرجال الإخوة، أني بكل ضمير صالح قد عشت للَّه إلى هذا اليوم". [1]


احتج القديس بولس أمام المجمع مدافعًا عن استقامة قلبه وسلوكه، مؤكدًا تكريس حياته لحساب الله منذ نشأته حتى تلك اللحظات. لم يذكر القديس لوقا لماذا بدأ الرسول بهذا الدفاع، هل سبقه سؤال أو اتهام وُجه ضده من رئيس الكهنة أو غيره من المسئولين أم لا.

في شجاعة عجيبة وجه القديس بولس حديثه إلى أعضاء مجمع السنهدرين، دون إشارة إلى الأمير ورجاله الحاضرين. وكأنه يقف ليُحاكم أمام المجمع, وكان غايته من ذلك تأكيد وجوده في المجمع أكثر من وجوده في حضرة الرؤساء المدنيين, وأنه محب لهم يود أن يقدم لهم الحق باستقامة ضميره .لعل هذه هي المرة الأولى التي يقف فيها الرسول أمام مجمع السنهدرين بعد تحوله إلى الإيمان المسيحي. يقف الآن أمام ذات المجمع الذي كان في صباه يكرمه المجمع ويهبه رسائل وسلطة لاضطهاد كنيسة الله.يتحدث الرسول بكل شجاعة، وكما وعد الله حزقيال النبي: "قد جعلت جبهتك كالماس أصلب من الصوان، فلا تخفهم، ولا ترتعب من وجوههم، لأنهم بيت متمرد" (حز 3: 9).

يعلن لهم أن قد عاش بضميرٍ صالحٍ، ليس فقط في الأمور التي يشتكون عليه فيها، وإنما في كل أمور حياته. لقد كرس قلبه وحياته لله، فلم يطلب كرامة ولا غنى، بل ما يرضي الله. بحسب الناموس الموسوي، فهو بار بلا لوم. وحين اضطهد كنيسة الله، كان يظن أنه يقدم خدمة لله، فكان يعمل حسبما يمليه عليه ضميره. وحين ظهرت له الرؤيا في الطريق إلى دمشق ترك ارتباطه بمجمع السنهدرين خدمة لله. وكما يقول: "لأننا نثق أن لنا ضميرًا صالحًا، راغبين أن نتصرف حسنًا في كل شيء" (عب 13: 18). ما كان يشغله شيء سوي إرضاء الله دون أية اعتبارات بشرية، وقد ثابر على ذلك منذ صباه إلى آخر نسمة من نسمات حياته.

كأن الرسول يقول إنني شاول الطرسوسي الذي تعرفونه تمام المعرفة كإنسانٍ أمينٍ ومخلصٍ من كل القلب للَّه ولشعبه, لم يتغير حتى تلك اللحظات, إنما ما تغير فيه هو اكتشافه للحق الإلهي. فبذات الضمير الحي الذي كان يعمل كفريسي لحساب المجمع لا يزال يعمل, ولكن في طريق الحق, وليس خلال الجهل الذي كان يسيطر عليه بسبب تمسكه بالحرف.

"فأمر حنانيا رئيس الكهنة الواقفين عنده أن يضربوه على فمه". [2]

كان حنانيا رئيس كهنة من سنة 48 إلى سنة 58 م، وقد اشتهر بالجشع والغطرسة والاستبداد.

وقف بولس الرسول أمام نفس رئيس الكهنة الذي وقف أمامه سيده، وربما الذى ضرب الرب على وجهه (يو 18: 22) هو نفسه الذي ضرب بولس على فمه. كان رئيس الكهنة يرى في كليهما مجدفين على الله. كان يطلب صلب السيد المسيح لأنه قال الحق أنه ابن الله، وها هو يطلب قتل بولس لأنه يفتح باب الإيمان أمام الأمم. لم يحتمل رئيس الكهنة أن يعلن السيد المسيح عن نفسه بنوته لله الآب ومساواته له، وها هو لا يحتمل بولس وهو يمتدح نفسه كفريسي بحسب الناموس، فإنه لا يجوز أن يمتدح أحد نفسه في حضرة رئيس الكهنة.

لقد سبق أن ضرب صدقيا بن كنعنة ميخا على فكه لأنه نطق بكلمة الرب (1 مل 22: 24)، ولذات السبب ضرب فشحور بن أمير الكاهن إرميا النبي (إر 20: 2). وقد قيل عن السيد المسيح أنه يقدم قبلات فمه (نش 1: 2 ) للذين قبلوا لطمات على أفواههم بسببه.

يطالبنا سليمان الحكيم أن نقًبل الشفاه التي تجاوب بكلام مستقيم (أم 24: 26)، لكن الأشرار يلطمون الشفاه الناطقة بالاستقامة. فالضرب على الفم يشير إلى رغبة الضارب ومن معه في أن يبكم فم الشخص الذي يضربه، لأنه ينطق بكلمات غير لائقة. هذا الأسلوب كان مستخدمًا في الشرق إلى وقت قريب, وهو يحمل إهانة شديدة، كأن الشخص غير أهل أن ينطق في حضرة الموجودين، ويلتزم بالصمت بسبب جهالته أو وقاحته أو تجديفه على الحق.

ولعل ضربه على فمه يشير إلى أن يكذب في حضرة رئيس الكهنة ويخدع الحاضرين، إذ يدعي أنه يحمل ضميرًا صالحًا، بينما يؤمن بيسوع أنه المسيح، وينشر تعاليمه.

"حينئذ قال له بولس: سيضربك اللَّه أيها الحائط المبيضّ، أفأنت جالس تحكم علي حسب الناموس وأنت تأمر بضربي مخالفًا للناموس". [3]

يذكر آدم كلارك أن Krebs يؤكد أن رئيس الكهنة حنانيا هو نفسه الذي روى عنه يوسيفوس بأن كوادراتس Quadratus حاكم سوريا أرسله أسيرًا إلى روما، لأنه سبب منازعات بين اليهود والسامريين, وإذ أثبت براءته عاد إلى أورشليم واستعاد منصبه كرئيس كهنة.

نزلت كلمات الرسول كالصاعقة على رئيس الكهنة وكل المجتمعين, فإنهم لم يسمعوا قط يهوديًا ينطق بمثل هذه الكلمات عن رئيس الكهنة. إنها إهانة خطيرة لم تحدث في كل تاريخ إسرائيل.

يرى البعض أن الرسول بولس لم ينطق بهذا بدافع الغضب والانتقام، لكن أخذته الغيرة المقدسة أن رئيس الكهنة يفسد سلطته، ويهين العمل الكهنوتي بتصرفاته هذه. لقد حكم حنانيا بخلاف الناموس الذي أوصي ألا يُضرب أحد ما لم يُفحص ويُحكم عليه أنه مستحق للضرب ( تث 25: 2؛ راجع لا 19: 35). لذا ما نطق به الرسول كان بدافع النبوة. يرى Grotius بأن نبوة القديس بولس هذه قد تحققت. جاء في يوسيفوس أن حنانيا وأخاه حزقيا قد ذُبحا أثناء الهياج الذي حدث في أورشليم عندما استولي عليها السالبون Sicarii بزعامة مناهيم Manahem؛ فقد حاول أن يختفي لكنهم سحبوه وقتلوه.

كما دعا السيد المسيح الفريسيين المرائيين قبورا مبيضة تحمل في داخلها نتانة (مت 23: 27)، هكذا يقول الرسول أن رئيس الكهنة بريائه حائط مبيض يحمل من الخارج صورة جميلة تخفي تحتها قذارة. ربما يقصد بالحائط المبيض الحائط الذي بدأ يتساقط فعوض وضع أساس سليم له وإعادة بنائه يقومون بوضع طبقة ملس بيضاء حوله تخفي ما تشقق منه فيبدو سليمًا، ويكون خطرًا على من يتكئ عليه أو يجلس بجواره.

يرى القديس جيروم أن ما نطق به القديس بولس هو ضعف بشري، فاختياره رسولاً لا ينفي عنه بعض الضعفات بسبب تهاونه ولو في امورٍ صغيرة، مثله مثل كافة الآباء والرسل والأنبياء.

في الرد على أتباع بيلاجيوس الذين يركزون على حرية الإرادة وحدها، ظانين أنه في استطاعة الإنسان بكامل حرية إرادته أن يسلك في الفضيلة في كمالها يقدم القديس جيروم أمثلة حية لقديسين عظماء مدحهم الله نفسه إلا أنهم عانوا من الضعف.

- عوض كونه متهمًا وكأنه يقول: "أنت الذي تستحق الضربات بلا عدد. انظروا كيف صُدموا بقوة بشجاعته، وذلك لأن النقطة التي كانوا يلقون كل الأمور عليها صارت مديحًا له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- على سبيل المثال لنأخذ مثلاً واحدًا: "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي، يعمل كل مشيئتي". بلا شك كان داود قديسًا، ومع أنه قد اختير لكي يتمم كل مشيئة الله، لكنه وُجد ملومًا في تصرفات معينة. حتمًا كان ممكنًا له وقد اُختير بقصد تتميم مشيئة الله أن لا يفعل هذا. لا يُلام الله الذي سبق فتحدث عن صنعه كل مشيئة الله كما يؤمر، وإنما يلتصق اللوم بذاك الذي لم يتمم ما سبق أن أُخبر به. فإن الله لم يقل أنه وجده إنسانًا يتمم أوامره بلا فشل ويتمم مشيئته، وإنما إنسان يود أن يتمم كل مشيئة الله. ونحن أيضًا نقول أن الإنسان يمكنه أن يتجنب أن يخطئ إن اختار ذلك حسب ظروفه المحلية المؤقتة وضعفه الجسدي، مادام فكره منصبًا على البرّ والوتر مهيئًا حسنًا في القيثارة. ولكن إن كان الإنسان يمارس تهاونًا بسيطًا. فإنه في قدرته كقائد المركب أن ينسحب في اتجاه مقاوم للتيار، هذا الذي متى توانى ولو إلى لحظة فإن المركب ترجع، وتحمله المياه المتدفقة حيث لا يريد. هذا هو حال الإنسان، فإن صار فينا إهمال طفيف ندرك ضعفنا ونجد أن قوتنا محدودة.

هل تظن أن الرسول بولس عندما كتب: "العباءة التي تركتها في ترواس أحضرها عندما تجيء والرقوق" (2 تي 4: 13)، كان يفكر في الأسرار الإلهية وليس في الأشياء التي تستلزمها الحياة اليومية، وتشبع احتياجاتنا الجسدية؟ أرني إنسانًا لم يجُع قط ولا عطش ولا عانى من برد، ولا عرف ألمًا أو حمى أو عذاب الغربة وأنا أقدم لك إنسانًا يمكن ألا يفكر في شيء سوى الفضيلة.

عندما لطم العبد الرسول سلم نفسه هكذا أن ينطق ضد رئيس الكهنة الذي أمر أن يلطمه: "سيضربك الله أيها الحائط المبيض". ينقصنا صبر المخلص الذي اُقتيد كحملٍ للذبح ولم يفتح فاه، بل قال برحمة لضاربيه: "إن كنت قد تكلمت بالشر فأشهد على الشر، وإن كان حسنًا فلماذا تلطمني؟ " (يو 17: 23). إننا لسنا نحط من قدر الرسول، بل نعلن مجد الله الذي احتمل في الجسد، وغلب الضرر الساقط على الجسد وضعف الجسد. لا نقول شيئا عما قاله الرسول في موضع آخر: "الكسندر الحداد صنع بي شرورًا كثيرة، ليجازه الرب الديان العادل في ذلك اليوم" (2 تي 4: 14).

القديس جيروم


 


20 توت 1737 ش
30 سبتمبر 2020 م

نياحة القديسة ثاؤبستى
نياحة البابا أثناسيوس الثاني 28
استشهاد القديسة ميلاتيني العذراء

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك