إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن اللَّـه يعطيك ما ينفعك ، وليس ما تطلبه ، إلاَّ إذا كان ما تطلبه هو النافع لك وذلك لأنك كثيراً مــا تطلــب مــا لا ينفعــك

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 24 جـ2 PDF Print Email
2. احتجاج الرسول بولس

"فأجاب بولس إذ أومئ إليه الوالي أن يتكلم: إني إذ قد علمت أنك منذ سنين كثيرة قاضٍ لهذه الأمة، احتج عمّا في أمري بأكثر سرور". [10]

هذا هو الدفاع الثالث لبولس الرسول كما ورد في سفر أعمال الرسل. وقد اتسم دفاعه بروح الحكمة والقداسة، وتحقق فيه وعد السيد المسيح أنهم إذ يقفون أمام ملوك وولاة من أجله يُعطون في تلك الساعة ما يتكلمون به.

لم يستخدم الرسول بولس كلمات الإطراء والتملق، كما فعل الخطيب ترتلس، لكنه قدم مديحًا متواضعًا لفيلكس الوالي، مظهرًا أنه صاحب خبرة في شئون الأمة اليهودية، لهذا حتمًا ستكون المحاكمة عادلة. فقد كان فيلكس وكومانوسComanus شريكين في الولاية، وقد أساء الأخير إدارة الأمور بطريقة صعبة، فتحولت كل السلطة في يدي فيلكس، وذلك منذ حوالي سبع سنوات قبل هذه المحاكمة، وهي فترة طويلة أعطت لفيلكس خبرات قوية من جهة أمور الأمة اليهودية. إنها فترة طويلة إن قورنت بالولاة السابقين له. كان القديس بولس يعلم تمامًا شخصية فيلكس، لهذا لم يمدحه إلا بما هو حق دون مبالغة ولا مداهنة.

"قاض": تُستخدم هنا بمعنى حاكمٍ، يمارس القضاء الخاص بأمور الأمة العامة magistrate.

"احتج عما في أمري بأكثر سرور": إنها لغة الإنسان الجرىء الذي لا يخشى الموت والواثق في أعماقه ببراءته مهما دارت الأحداث.

لم يهتز الرسول بولس من كلمات الخطيب الأجير، ولا أعطى لكلماته اهتمامًا، إنما وجه الحديث بكل توقير للوالي، وقد ظهرت عليه علامات السرور والبهجة لا الاضطراب والخوف.

- هذه ليست لهجة تملق، إنما شهادة لعدالة القاضي. لا بل كان حديث الخطيب فيه تملق: "إننا حاصلون بواسطتك على سلام جزيل". فإن كان الأمر هكذا، فلماذا تقوم بالتحريض؟ أما ما طلبه بولس فهو العدالة، إذ يقول: "إذ أنك قاض عادل احتج عما في أمري بأكثر سرورٍ". وقد أكد ذلك خلال طول الزمن حيث كان قاضيًا "منذ سنين كثيرة".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأنت قادر أن تعرف أنه ليس لي أكثر من اثني عشر يومًا، منذ صعدت لأسجد في أورشليم". [11]

يرى البعض أن الاثني عشر يومًا أو أكثر منذ صعد إلى أورشليم هي هكذا:

1 اليوم الأول الذي جاء فيه إلى أورشليم (أع 21: 15).

1 اليوم الثاني قضاه مع يعقوب والرسل (أع 21: 18).

6 أيام قضاها في تنفيذ نذره (أع 21: 21، 26).

1 اليوم التاسع، والسابع من نذره حيث حدث شغب، وأنقذه القائد ليسياس (أع 21: 27؛ 22: 29).

1 اليوم العاشر: وقف أمام مجمع السنهدرين (أع 22: 30؛ 23: 10).

1 اليوم الحادي عشر: دُبرت مؤامرة لقتله، فأرسل في مساء نفس اليوم غلى قيصرية.

الأيام التي قضاها في الحبس لم يحسبها الرسول بولس، لأنه حسب فقط الأيام التى كان يمكن أن يُتهم فيها بأنه يصنع فتنة في أورشليم، إذ لا يمكنه ان يصنع فتنة وهو في الحبس في قيصرية تحت الحراسة. وكأن الاثني عشر يومًا هي الفترة ما بين صعوده إلى أورشليم حتى مجيئه إلى قيصرية تحت الحبس لدى فيلكس، وهي فترة قصيرة للغاية.

أوضح الرسول غاية صعوده إلى أورشليم وهي "لأسجد" أو "لأتعبد"، وليس ليثير فتنة. صعد بهدفٍ تقويٍ تعبديٍ خاشعٍ.

"ولم يجدوني في الهيكل أُحاج أحدًا، أو أصنع تجمعًا من الشعب، ولا في المجامع، ولا في المدينة". [12]

كان أول اتهام قدمه ترتلس ضده أنه مفسد [5]، كيف يكون هذا صدقًا، وهو لم يدخل في حوارٍ مع أحد، ولا على مستوي التجمعات، ولا في داخل الهيكل، بل كان في الهيكل ينفذ نذرًا، ويحتفظ بشركته في العبادة مع شعبه، ولم يتحد أحدًا منهم.

- استخدم المتهمون تعبير "زعيم فتنة" كما لو كانت القضية هي قضية حرب وعصيان مسلح، لكن تطلعوا كيف أجاب بولس بلطف.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولا يستطيعون أن يثبتوا ما يشتكون به الآن علي". [13]

ليس لديهم أي دليل على إثارة أي شعب، إذ يحمل كل حب وغيرة على خلاص بني جنسه (رو 9: 1-3).

"ولكنني أُقر لك بهذا، أنني حسب الطريق الذي يقولون له شيعة، هكذا أعبد إله آبائي، مؤمّنًا بكل ما هو مكتوب في الناموس والأنبياء". [14]

أما عن الاتهام الثاني الذي قدمه ترتلس فهو أنه زعيم لفئة الناصريين، فقد جاءت إجابته هكذا:

1. إن كان قد لقبهم ترتلس بالناصريين استخفافًا بهم وتحقيرًا لشأنهم، فإن الرسول بولس لم يشغله اللقب، ولا يدخل في حوار غير هادف.

2. لم ينكر الرسول بولس عضويته في ما يدعونه هم بالشيعة، فهو يعتز بانتسابه للمسيحيين.

3. إن انتسابه لهم ليس إلا امتدادًا للعبادة بحسب فكر آبائهم، الذين دعاهم "آبائي". دخوله الهيكل دليل عملي على ممارسته للعبادة حسب فكر آبائه.

4. أن ما يدعونها بالشيعة، إنما تؤمن بما ورد في الناموس والأنبياء، فما يعلنه عن السيد المسيح هو تحقيق للنبوات.

5. غاية هذه الجماعة ورجاؤها هو التمتع بالقيامة من الأموات [15]

6. ما يدعونه هم شيعة أو بدعة هو في الحقيقة "الطريق"، به يعبر البشر إلى الله ويتمتعون بالشركة معه.

7. أوضح الرسول ما هو الإيمان المسيحي بقوله: "هكذا أعبد إله آبائي مؤمنًا"، حيث يربط العبادة بالإيمان معًا.

"ولي رجاء باللَّه فيما هم أيضًا ينتظرونه، أنه سوف تكون قيامة للأموات الأبرار والآثمة". [15]

هنا يشير إلى الفريسيين الذين يؤمنون أيضا بالقيامة من الأموات.

- عزله المتهمون كأنه غريب، أما هو فربط نفسه بالناموس كواحدٍ منهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لذلك أنا أيضًا أُدرّب نفسي، ليكون لي دائمًا ضمير بلا عثرة من نحو اللَّه والناس". [16]

في تواضعٍ لم ينسب الرسول لنفسه الكمال، لكنه سالك في الطريق، يدرب نفسه على الدوام، فاحصًا ضميره من جهة علاقته بالله والناس. فإن ما يشغله ليس تبرئة نفسه أمام القضاء، وإنما أمام الديان، العارف بما في ضمائر الناس. يطلب دومًا الاستنارة، ويجاهد ليكون مخلصًا وأمينًا أمام الله وفي حق الناس.

"وبعد سنين كثيرة جئت أصنع صدقات لأمّتي وقرابين". [17]

كيف يُتهم بمثير فتن وهو إلى سنوات طويلة لم يصعد إلى أورشليم، والآن إذ يصعد يأتي إلى أورشليم بصدقاتٍ وتقدماتٍ بسبب ما حل بالمدينة من مجاعة.

يعلق البعض على رحلة القدّيس بولس إلى أورشليم ليقدّم العطاء للقدّيسين هناك، قائلين بأنه كان في أورشليم قدّيسون باعوا كل ممتلكاتهم ووضعوها عند أقدام الرسل (أع 4: 34-35)، مكرّسين أنفسهم للصلاة والقراءة والتعليم. واضح من قول الرسول في موضعٍ آخر: "ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين" (رو 15: 25) أنّه من أجل سماتهم هذه كقديسين يسافر بولس ليلتقي بهم شخصيًا، وهو يترجّى أنّهم يقبلوا تقدمته مظهرّا أنّه مغبوط بالأكثر هو العطاء عن الأخذ (أع 20: 35).

- كان يوجد قديسون فقراء في كل الموضع، وقد أراد بولس من أهل رومية أن ينمي روح العطاء بسخاء مع الجميع.

العلامة أوريجينوس

- إذا كرس هؤلاء الأمم أنفسهم بالكامل لخدمة الله لم يرتبكوا قط بأمور هذا العالم, مقدمين مثلاً للسلوك الحسن أمام المؤمنين. هكذا أيضاً يريدنا الرسول أن نتعاطف ونكون رحماء، فنشعر بالتزامنا بالعطاء وأن نمارس الأعمال الصالحة بقلبٍ راضٍ, لأن من يترجى الرحمة من الله يلزم أن يكون رحيمًا مبرهنًا على أن لديه علة لرجائه. فإن كان الإنسان رحيمًا كم بالأكثر يكون الله. وكما يقول الرب: "طوبى للرحماء فإن اللَّه يرحمهم" (مت 5:7).

أمبروسياستر

"وفي ذلك وجدني متطهرًا في الهيكل، ليس مع جمعٍ، ولا مع شغبٍ، قوم هم يهود من آسيا". [18]

حين ألقوا القبض عليه كان معه يهود قادمون من آسيا وكان هو متطهرًا منشغلاً بخدمة مقدسة حيث يوفي بنذره، ولم يدخل الهيكل ومعه جمهور أو شغب.

- لماذا صعدوا بك؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟ يجيب: "لكي أعبد، لكي أقدم صدقات. هذه ليست تصرفات شخص مثير للشغب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أقول بما يقوله الرسول الطوباوي بولس تقريبًا في كل رسائله، وجعله قاعدة لكنائس الأمم أنه في اليوم الأول من الأسبوع، أي في يوم الرب، كانت تُجمع تبرعات من كل أحد تُرسل إلى أورشليم لأجل سدْ احتياجات القديسين، بواسطة أحد تلاميذه أو من يستحسنونهم. وإن رأوا أنه من المناسب يقوم هو نفسه بإرسالها أو يأخذ ما تجمع. أيضًا جاء في أعمال الرسل وهو يتحدث مع الوالي فيلكس: "وبعد سنين كثيرة جئت أصنع صدقات لأمتي وقرابين، وفي ذلك وجدني متطهرًا في الهيكل..." ألم يقم بالتوزيع في مناطق أخرى للعالم، وفي الكنائس المبتدئة التي فيها عمل بإيمانه، مقدمًا مما تسلمه من الكنائس الأخرى؟ لكنه اشتاق أن يعطي فقراء الأماكن المقدسة الذين فقدوا ممتلكاتهم القليلة من أجل المسيح، وحولوا كل قلوبهم لخدمة الرب. إنني احتاج إلى وقت طويل جدًا إن كررت كل العبارات من كل دائرة رسائله التي فيها يحث ويؤيد بكل قلبه أن يرسل المال إلى أورشليم وإلى الأماكن المقدسة للمؤمنين، لا ليبعث فيهم الطمع، بل ليسد احتياجاتهم، لا ليكدسوا الثروات، بل ليسندوا أجساد الفقراء الضعيفة، وليدفعوا البرد والجوع عنها.

القديس جيروم


 


14 توت 1737 ش
24 سبتمبر 2020 م

نياحة القديس أغاثون العمودي في سخا
استشهاد القديس فيلكس وريجولا أخته
استشهاد القديس اكسيوبرانتيوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك