إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

دائماً الرب يرحم الضعفاء أما الشخص الجبار العنيف القاسي الشديد ، يكون بعيداً عن رحمة اللَّـه . الهنا هو إله الضعفاء اختار اللَّـه ضعفاء العالم ، ليخزي بهم الأقوياء . القوي يعتمد على قوته أما الضعيف فهو الذي يقف اللَّـه إلى جواره

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية اصحاح 15 جـ1 PDF Print Email

الحياة السَبتيَّة

الله الذي يجد مسرَّته في أن ينسب نفسه للأيتام والأرامل والمطرودين والمرذولين، يقدِّم شريعته من أجل تحويل حياة كل إنسان إلى حياة سبتيَّة، أي يصير كل عمره "سبت للرب". يود أن يحوِّل حياتنا إلى الراحة الحقَّة فيه. يجد الفقير في الله راحته، ويتمتَّع الغني بذات الحياة. وقد تحدَّث الكتاب المقدَّس قبلاً عن السنة السبتيَّة (خر 23: 10، لا 25: 1-7).

أوضح في هذا الأصحاح أن المدينين العاجزين عن سداد ديونهم لا يُحرمون من الانتفاع بالسنة السبتيَّة. هذا لا يعني أن الدين قد أزيل تمامًا، لكن المدينين يصيرون غير ملزمين بإيفاء الديون، أمَّا من كان عاجزًا عن الدفع فيُعفى منه. كما تحدَّث عن تحرير العبد العبراني (خر 21: 2-10) وعن ثقب أذن العبد الذي يقبل العبوديَّة بإرادته.

1. السنة السبتيَّة           [1-6].

2. الاهتمام بالفقراء        [7-11].

3. العبد العبراني            [12-18].

4. البكور                   [19-23].

1. السنة السبتيَّة:

إن كانت الحياة المقدَّسة لا تقف عند ممارسات معيَّنة بل تمس علاقاتنا بأنفسنا والله والناس، لذا جاءت شريعة "سنة الإبراء" تكشف عن اهتمام الله، وبالتالي اهتمام أبنائه، بالمدينين غير القادرين على الإيفاء وإبرائهم من أجل الرب نفسه، وأيضًا بالمعدمين، والعبيد الذين لم يجدوا من يهتم بشأنهم.

"في آخر سبع سنين تعمل إبراء. وهذا هو حكم الإبراء. يبرئ كل صاحب دينٍ يده ممَّا أقرضه صاحبه. لا يطالب صاحبه ولا أخاه، لأنَّه قد نودي بإبراء للرب" [1-2].

أولاً:
الله هو إله الكل، ينسب نفسه للمحتاجين والمتألِّمين، لذا قدَّم لهم شريعة سنة السبت (السنة السابعة) كسنة إبراء. يظهر مدى اهتمام الله بأولاده، إذ يحسب أن من كان مدينًا لأخيه، كأن الرب نفسه هو المدين. لهذا إذ يصر على إبراء الاخوة المحتاجين من ديونهم في السنة السبتيَّة "في آخر سبع سنين"، يدعو هذا الإبراء "إبراء الرب" [2].

ثانيًا: يريد الله أن يقيم من كل أيَّام حياتنا سبتًا مفرحًا، وراحة فيه. ففي كل أسبوع يقيم سبتًا للرب، أو "يوم الرب"، الذي فيه يعلن راحته بخلقته للعالم في الأيَّام الستَّة الأولى، وإذ خلق الإنسان في اليوم السادس استراح، مشتهيًا أن يقدِّم راحة الحب لمحبوبه الإنسان في اليوم السابع. أمَّا وقد جاء الكلمة الإلهي وأعاد خلقتنا، بإقامتنا معه من الأموات، وسكنى روحه القدُّوس فينا فجعل من يوم الأحد سبتًا له ولنا، صار هذا اليوم "يوم الرب" الذي يحوِّل كل أيَّام حياتنا إلى حياة مقدَّسة ومُقامة في الرب.

كل سبعة سنوات يقيم في السنة السابعة سنة للرب ليبارك كل سنين عمرنا، وكل خمسين عامًا، أي بعد سبع سنوات سبع مرات (7 × 7 = 49) يقيم لنا يوبيلاً مفرحًا في الرب. بمعنى آخر يقدِّم لنا الله على الدوام كل فرصة ممكنة لكي نتمتَّع بحياتنا كعيدٍ وراحةٍ في الرب. بقوله "إبراء للرب" يُعلن أن كل ما يمارسه المؤمن من عبادة أو احتفالات بأعياد أو عطاء أو تنازلات، جميعها باسم الرب ولأجله؛ وكأن المؤمن في كل أفكاره الداخليَّة وسلوكيَّاته إنَّما يحيا في الرب.

حقًا ما أروع تعبير "سنة إبراء للرب"، فإنَّها تشير إلى عمل السيِّد المسيح الذي كرز "بسنة الرب المقبولة" (لو 4: 19)، فقد جاء ليُبشر المساكين، وبالعتق للمسبيِّين (لو 4: 18؛ إش 58: 6). جاء إلينا نحن الفقراء، المثقَّلين بالديون ليقدِّم لنا المصالحة مع الله مجَّانًا بدمه (2 كو 5: 20).

كان جميع أولاد الله منذ آدم يتطلَّعون إلى سنة "الإبراء للرب"، وإذ نزل مسيحنا إلى الجحيم التقى بهم ألوف ألوف وربوات من الآباء والأنبياء والكهنة الشعب، من كبار وصغار يترقَّبون ذاك الذي وحده يفي دينهم، ويدخل بهم إلى التمتُّع بسنة الإبراء للرب.

ثالثًا: كما أن سبت الرب أو راحته هي في إبراء نفوسنا من الدين الذي كان علينا من جهة خطايانا، فدفع الثمن ببذل حياته من أجلنا، يليق بنا أن نرد هذا الحب بالحب نحو اخوتنا، فنغفر لهم أخطاءهم من نحونا، ونبرئهم من كل دين.

رابعًا: عدم إساءة استغلال الإبراء، إذ يقول: "الأجنبي تطالب، وأمَّا ما كان لك عند أخيك فتبرِّئه يدك منه" [3]. مطالبة الأجنبي بالدين ليس فيه إحجامًا، فإنَّه كغريبٍ يعيش في كنعان لا يملك أرضًا بل يعيش على التجارة أو الصناعة، فهو لا يفقد دخله في سنة الإبراء كما بالنسبة لليهودي. لهذا فهو مُطالب بتسديد ما اقترضه. يرى البعض أن الإبراء عن السنة السبتيَّة وحدها، يعود فيسدِّد المدين الدين بعد ذلك. وعلَّة ذلك في نظرهم أولاً أنَّه في السنة السبتيَّة لا يُمارِس أحد زراعته، وبالتالي لا توجد محاصيل يمكن بيعها لتسديد الديون. ثانيًا لو أن الدين يُمحى تمامًا، هذا يدفع الكثيرين إلى عدم إقراض الآخرين حتى لا تضيع قروضهم عليهم متى حلَّت السنة السبتيَّة.

جاءت كلمة "يبرئ" في العبريَّة تعني "يترك"، أي يترك الدائن الدين بين يديّ المدين، كما تُترك الأرض بلا زراعة في تلك السنة.

خامسًا: يسمح الله أن يوجد فقراء ومدينون بين شعبه، لكن إلى حين وفي حدود معيَّنة. "إلا أن لم يكن فيك فقير" [4]. فإذ يتم الإبراء كل سبع سنوات لا يوجد بينهم فقير مدقع، ولا من يحل به البؤس الشديد. يسمح بالفقر المؤقَّت وفي حدود معيَّنة، فيمارس الفقير مع الغني حياة الشكر؛ ويفرح الغني حين يُعطي ويبرِّئ، إذ يحسب أن ما يقدِّمه هو لشخص الرب نفسه، ويفرح الفقير والمدين إذ يرى الرب المحب معلنًا ومتجلِّيًا في سلوك الأغنياء والدائنين.

يرى البعض أن بقوله: "إلا أن لم يكن فيك فقير" [4]، يؤكِّد أن الإبراء ليس عامًا، بل هو إبراء للمحتاجين الفقراء، فإن غاية السنة السبتيَّة ليس أن يستغل المدينون دائنيهم، وإنَّما حفظ المؤمنين من الفقر المدقع.

سادسًا: إن كان الله قد طالب الدائنين أن يبرِّئوا المدينين، فقد قدَّم نفسه ملتزمًا أن يعوِّضهم عن الخسارة بنفسه:

"لأن الرب إنَّما يباركك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا لتمتلكها. إذا سمعت صوت الرب إلهك لتحفظ وتعمل كل هذه الوصايا التي أنا أوصيك اليوم. يباركك الرب إلهك كما قال لك، فتقرض أممَّا كثيرة وأنت لا تقترض، وتتسلَّط على أممٍ كثيرة، وهم عليك لا يتسلَّطون [4-6].

عوض كونهم دائنين لاخوتهم يجعلهم دائنين لأممٍ كثيرة، ويهبهم قوَّة وسلطانًا على أممٍ كثيرةٍ. وكأنَّه لا يأمر الأغنياء بالإبراء مجانًا، لكنَّه يطلب لهم الغنى الأعظم والقوَّة والسلطة، لكن ليس على حساب اخوتهم بل بالنسبة للغرباء.

يبرز الرسول بولس اهتمامه بالمعطي كما بالشخص الذي يأخذ، قائلاً: "فإنَّه ليس لكي يكون للآخرين راحة ولكم ضيق، بل بحسب المساواة، كما هو مكتوب الذي جمع كثيرًا لم يفضل، والذي جمع قليلاً لم ينقص" (2 كو 8: 13-15).

سابعًا: إن كانت الأرض التي أعطيت للشعب هي هبة مجانيَّة من قبل الله الذي يريد لهم الغنى والحريَّة، فإنَّه يليق بهم ألاَّ يتركوا الفقراء المقترضين في حالة فقر ومذلَّة، إذ قيل: "الغني يتسلَّط على الفقير، والمقترض عبد للمقرض" (أم 22: 7).

ثامنًا: لئلاَّ يتوقَّف الأغنياء عن إقراض الفقراء طالبهم بالإبراء في السنة السابعة فقط بعد التأكَّد من عجز المدين عن السداد. هذا وقدم الله نفسه ضامنًا للتعويض عن كل خسارة.

تاسعًا: جاءت الشريعة الخاصة بالسنة السبتيَّة التي فيها يتم "الإبراء للرب" درسًا عمليًا في التخلِّي عن محبَّة المال أو الطمع الذي يسيطر على القلوب بكونه عبادة أوثان. وكما يقول الرسول بولس: "فإنَّكم تعلمون هذا أن كل طمَّاع الذي هو عابد للأوثان ليس له ميراث في ملكوت المسيح والله" (أف 5: 5). "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 3: 5).

يليق بالإنسان أن يعمل لا ليجمع لنفسه بل ليُعطي الآخرين: "بالأحرى يتعب عاملاً الصالح بيديه ليكون له أن يعطي من له احتياج" (أف 4: 28).

في الواقع هذه الشريعة الخاصة بإبراء المدينين الفقراء كانت أشبه بإعلان "الاخوة" بين جميع المؤمنين في الله الواحد. يقوم الإبراء على أساس الله أب للجميع، طبيعته غافر الذنوب، فمن يعفو عن أخيه يستحق أن ينال العفو من الله. وقد قدَّم السيِّد المسيح توضيحًا لذلك بمثل المدين بعشرة آلاف وزنة الذي أبرأه الدائن، لكن إذ رفض أن يعفو عن العبد رفيقه المدين له بمائة دينار عاد الدائن يطلب منه أن يفي بالعشرة آلاف وزنة. يقول سليمان الحكيم: "المروي هو أيضًا يُروى" (أم 11: 25)، من يروي الآخرين بالحب إنَّما يروي نفسه بحب الله الأعظم.
2. الاهتمام بالفقراء:

"إن كان فيك فقير أحد من اخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يعطيك الرب إلهك، فلا تقسِ قلبك، ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير. بل افتح يدك له واقرضه مقدار ما يحتاج إليه. احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم قائلاً قد قربت السنة السابعة سنة الإبراء وتسوء عينك بأخيك الفقير ولا تعطيه. فيصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطيَّة. اَعطه ولا يسؤ قلبك عندما تعطيه، لأنَّه بسبب هذا الأمر يباركك الرب إلهك في كل أعمالك وجميع ما تمتد إليه يدك. لأنَّه لا تفقد الفقراء من الأرض، لذلك أنا أوصيك قائلاً: افتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك" [7-11].

إن حسبنا أن ما ورد في هذا الأصحاح هو جزء من البرنامج الذي وضعه الله بخصوص الفقراء "Program for the poor"، كما تفعل الآن أغلب بلاد العالم، فإن الله قد دخل بنا إلى جذور المشكلة. فقد قامت أنظمة كثيرة تَدَّعي أنَّها "اشتراكيَّة" وظنَّت أنَّها تقضي تمامًا على وجود فقراء مدقعين في المجتمع، كما وضعت البلاد الرأسماليَّة المتقدِّمة برنامج خاص بالمحتاجين، ومع هذا نجد في كل الصنفين في المدينة الواحدة أغنياء غنى فاحشًا وفقراء مدقعين تمامًا[149]. أمَّا الله فقد أعلن: "لا تقسِ قلبك... احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم" [7-8]. فإن مشكلة التفاوت الخطير في الطبقات ماديًا ترجع إلى القلب الذي أفسدته الخطيَّة، ولا علاج بالأنظمة الخارجيَّة ما لم يتغيَّر القلب ويتجدَّد، رافضًا الخطيَّة.

أولاً: يلزمنا خلال الحب أن نعطي أو نقرض حسب ظروفنا وحسب احتياج الغير. "لا تقسِّ قلبك" [7]، فالإحسان ينبع من القلب، كما أن إحسان الله من قلبه المحب.

ثانيًا: يهتم الله بتقديسنا، وتشكيل أعماقنا مع سلوكنا الظاهري، لهذا يوصي: "فلا تقسِ قلبك، ولا تقبض يدك على أخيك الفقير" [7]. عندما تقبض اليد أو تغلق عن العطاء إنَّما تكشف عن قسوة القلب الداخليَّة. لأنَّه "إذا امتلأت السحب مطرًا تريقه على الأرض" (جا 11: 3). إذ يكون لنا الإيمان نبسط أيدينا للعطاء بسخاء، وكما يقول: يعقوب الرسول: "إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي، فقال لهما أحدكم: أمضيا بسلام استدفئا واشبعا، ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد، فما المنفعة؟!" (يع 2: 15-16).

يحذِّر الأغنياء لا من الامتناع عن إعطاء قروض فحسب، وإنَّما عما هو أهم وهو فساد القلب ولؤمه:

"احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم، قائلاً: قد قربت السنة السابعة سنة الإبراء وتسوء عينك بأخيك الفقير ولا تعطيه" [9].

يحذِّرنا من الأفكار الخفيَّة النابعة عن قلبٍ فاسدٍ، فلا يكفي الحذر من التصرُّف الخاطئ فحسب، وإنَّما من الأعماق الفاسدة. أمَّا العين السيئة أو الشرِّيرة هنا فهي ضدّ العين البسيطة التي طوَّبها السيِّد المسيح (مت 6: 22؛ لو 11: 34).

-     هذه هي قمَّة الفضيلة، أساس كل وصايا الله، أن يرتبط حب الله بحب القريب (مت 22: 39، مر 12: 31، لو 10: 27). من يحب الله لا يستخف بأخيه، ولا يحسب المال أفضل من العضو الذي له، بل يظهر له سخاءً عظيمًا، مهتمًا بذاك القائل: "بما أنَّكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 25: 40). أنَّه يدرك أن رب الكل يحسب أن ما يُفعل بسخاء للفقير لإراحته قد فعل معه هو. فلا يتطلَّع الشخص إلى مظهر الفقير البسيط بل إلى عظمة ذاك الذي يعد بأن يقبل ما يقدَّم للفقير كأنَّه مقدَّم له[150].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك