إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

اذا اكمل الانسان جميع الحسنات وفي قلبه حقد علي اخيه فهو غريب عن الله

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر التثنية اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

مدن الملجأ والشاهد الكاذب

إن كان يليق بشعب الله أن يترجموا حياتهم الدينيَّة إلى سلوك لائق في كل العلاقات الاجتماعيَّة والمعاملات المدنيَّة والجنائيَّة، فإنَّهم كشعبٍ مبتدئٍ في الحياة الروحيَّة احتاجوا إلى شريعة تفصيليَّة تحكم سلوكهم ومعاملاتهم.

أشار في الأصحاح السابق إلى مجيء "النبي" المنتظر الذي له نسمع، فنتمتَّع بالخلاص. الآن يقدِّم لنا صورة رمزيَّة لهذا الخلاص المسياني، وهو إقامة مدن الملجأ، التي يلجأ إليها كل قاتلٍ ارتكب القتل خطأ بغير إرادته.

هذا العدل الجزائي البدائي بعيد كل البعد عن القتل المتعمِّد، والغرض منه أن يمنعه فهو لا يكسر الوصيَّة السادسة بل بالأحرى يحفظها.

تحدَّث أيضًا عن احترام حقوق اللآخرين، سواء بالنسبة لممتلكاتهم أو لنفوسهم. فلا يجوز للإنسان أن ينقل تخومه ليستولى على أرض ليست من حقّه. ولا يليق به أن يشهد كذبًا على إنسان بريء.

1. مدن الملجأ              [1-13].

2. نقل التُخُم                [14].

3. شهادة الزور             [15-31].

1. مدن الملجأ:


"متى قرض الرب إلهك الأمم الذين الرب إلهك يعطيك أرضهم وورثتهم وسكنت مدنهم وبيوتهم، تفرز لنفسك ثلاث مدن في وسط أرضك التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها. تصلح الطريق وتثلث تخوم أرضك التي يقسم لك الرب إلهك، فتكون لكي يهرب إليها كل قاتل. وهذا هو حكم القاتل الذي يهرب إلى هناك فيحيا، من ضرب صاحبه بغير علمٍ وهو غير مبغضٍ له منذ أمس وما قبله. ومن ذهب مع صاحبه في الوعر ليحتطب حطبا فاندفعت يده بالفأس ليقطع الحطب وافلت الحديد من الخشب وأصاب صاحبه فمات، فهو يهرب إلى إحدى تلك المدن فيحيا. لئلاَّ يسعى وليّ الدم وراء القاتل حين يحمى قلبه ويدركه إذا طال الطريق ويقتله وليس عليه حكم الموت لأنَّه غير مبغضٍ له منذ أمس وما قبله. لأجل ذلك أنا آمرك قائلاً: ثلاث مدن تفرز لنفسك. وإن وسَّع الرب إلهك تخومك كما حلف لآبائك أعطاك جميع الأرض التي قال أنَّه يعطي لآبائك. إذا حفظت كل هذه الوصايا لتعملها كما أنا أوصيك اليوم لتحب الرب إلهك وتسلك في طرقه كل الأيَّام فزد لنفسك أيضًا ثلاث مدن على هذه الثلاث. حتى لا يسفك دم بريء في وسط أرضك التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فيكون عليك دم" [1-10].

ليس كل قتل هو جريمة، إنَّما يجب دراسة كل حالة على حدة، فقد ميَّزت الشريعة بين نوعين من القتل:

أ. القتل خطأ: [4-6]: يمكن للقاتل أن ينجو من الانتقام منه بالهروب إلى إحدى مدن الملجأ (عد 35: 9-34).

ب. القتل عمدًا: يجوز للولي أن ينتقم من القاتل [11-13].

أحد الأوامر التي قدِّمت لأبناء نوح أن من يسفك دم إنسان يُسفك دمه انتقامًا للدم (تك 9: 6). الآن استقرَّت هذه الشريعة. لكن ماذا إن سُفك دم خطأ وليس عن قصد. لهذا أمر الله بإقامة مدن الملجأ، كما سبق فرأينا في دراستنا لسفر الخروج (21: 13)، وسفر العدد (35: 10) الخ. لقد عالج سفر العدد هذا الأمر بالتفصيل، غير أنَّه إذ كان الشعب على وشك الدخول إلى أرض الموعد قدَّم لهم توجيهات عمليَّة لإقامة الثلاث مدن في الضفَّة الشرقيَّة.

أولاً: تحديد ثلاث مدن للملجأ في أرض كنعان، في الضفَّة الغربيَّة، حيث كان موسى قد حدَّد ثلاث مدن في الضفَّة الشرقيَّة [1-3، 7]. تُقسَّم المنطقة كلها إلى ثلاثة أقسام، متساويَّة قدر المستطاع، وتكون مدينة الملجأ مركز كل قسم، حتى يستطيع كل إنسان أينما وُجد أن يجد بالقرب منه مدينة للملجأ. تعتبر مدينة الملجأ أشبه بمكان حفظ يلجأ إليه القاتل حتى تتم محاكمة عادلة، ويُفصل في أمره إن كان قاتلاً عن خطأ أم عن عمد. فمدينة الملجأ هي صون وحماية للبريء وليس للمجرم.

لا نجد تسجيلاً لزيادة هذه المدن التي طلبها موسى، وهذا دليل غير متعمِّد على صحَّة السِفر، فإن أي كاتب متأخِر ما كان يمكن أن يبتدع هذا.

تُشير مدينة الملجأ إلى السيِّد المسيح، مخلِّص العالم، الذي نزل إلى أرضنا ولم يعد بعيدًا عنّا، بل هو قريب إلينا جدًا، لا نبحث عمَّن يصعد إلى السماء لكي ينزله، ولا من يهبط إلى الجحيم لكي يصعده إلينا، بل هو قائم في قلوبنا (رو 10: 8). لقد جاء إنجيلنا بالخلاص وجعله بين أيدينا. أنَّه يقرع على أبوابنا الداخليَّة لعلَّنا نقبله، نفتح له فيدخل عريس نفوسنا ليتعشَّى معنا. جاء مسيحنا إلى أرضنا ليصير حصننا، فيه نتحرَّر من الدينونة (رو 8: 1)، ونخلص من كل جريمة في حماية إلهيَّة فائقة (رو 5: 1، 9-10؛ 8: 31-39). تطلَّع إشعياء النبي إلى هذه المدينة الفريدة فقال: "لنا مدينة قويَّة؛ يجعل الخلاص أسوارًا ومترسة" (إش 26: 1). هذا ما يؤكِّده الرسول بقوله: "آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص" (أع 16: 31).

في القديم كان القاتل يهرب من وجه الولي إلى مدينة ملجأ ليحتمي فيها حتى تتم محاكمته، وإن وجد بريئًا يبقى إلى موت الكاهن. أمَّا في العهد الجديد فإن الولي والقاضي في نفس الوقت هو الرب يسوع، عِوض الانتقام يفتح لنا أحشاءه الإلهيَّة ملجأ لنا فنستريح فيها. ونبقى فيها إلى الأبد، ننعم لا بالبراءة فقط بل وبشركة أمجاده.

إنَّه ليس فقط مدينة الملجأ بل وهو الطريق المفتوح لنا، لذا لاق بنا أن نسرع بروحه القدُّوس وندخل فيه، ولا نؤجِّل، حتى لا يلحق بنا السيف وتهلك نفوسنا.

ثانيًا: أجاب هذا الأصحاح على السؤال التالي: كيف يعرف الهارب مدينة الملجأ؟ نحن نعلم أن كثير من الطرق في القديم كانت تُمهَّد خلال سير الحيوانات التي تحمل الأثقال خاصة القوافل. وهذا وقد كان اليهود في ذلك الحين لا يعرفون الطرق، إذ عاشوا في البريَّة طوال الأربعين عامًا. يلتزم المسئولون أن يهيِّئوا الطرق المؤديَّة إلى مدن الملجأ، فيُزيلوا كل عقبات تعطِّل الانطلاق إليها، كما يلتزمون بإقامة جسور والاهتمام بها للعبور عليها نحو هذه المدن، وعند مفترق الطرق توضع لافتات يُكتب عليها: "ملجأ! ملجأ!" وكان المسئولون ملتزمين بإصلاح هذه الطرق كل عام في شهر أذار. هكذا يليق بخدَّام الكلمة أن يُهيِّئوا الطريق لكل نفس كي تلتقي بالمخلِّص كملجأ لها. يلتزموا بأن يُزيلوا كل عقبة، ليفتحوا باب الرجاء أمامهم ليتمتَّعوا ببرّ المسيح وقداسته عِوض خطاياهم، وعدم الفساد عِوض فسادهم.

كما التزم المسؤولون بتهيئة الطرق في كل مكان نحو مدن الملجأ، هكذا الله في حبُّه هيَّأ للبشريَّة الطريق نحو يسوع المسيح، فأعلن عنه لأبوينا الأوَّلين في أول لقاء معهما بعد سقوطهما، ومهَّد الطريق لمعرفته خلال الآباء الأنبياء والأحداث والشريعة حتى لا يوجد أي عذر لمن يرفض الالتجاء إليه. لقد بعث إلينا بنبوَّات واضحة أشبه بعلامات تشير نحو شخص المخلِّص، مدينة ملجأنا.

كان الهارب ملتزمًا أن يبقى في المدينة حتى موت رئيس الكهنة فيخرج منها (عد 35: 25-29)، ومسيحنا رئيس الكهنة الأعظم مات مرة ليدخل بنا فيه، ولن يموت بل يبقى حيًّا بعد قيامته حتى لا يخرج أحد منه، بل نسكن فيه وهو فينا أبديًّا (يو 15: 4؛ كو 1: 23؛ عب 3: 14؛ 10: 38-39). في اختصار قد وضع أمامنا ملجأ خلاصنا (عب 6: 18).

ثالثًا: كانت خطيَّة القتل لها خطورتها العظمى (أم 28: 17)، وفي العهد الجديد فإن مجرَّد الغضب يدفع بالإنسان إلى نار جهنم. ومع أن السهو يعتبر خطيَّة تقدَّم عنها ذبيحة، إلاَّ أن القتل سهوًا لا يُحسب خطيَّة يُعاقب عليها، وإنَّما يسمح لمرتكبها أن يهرب إلى مدينة الملجأ حتى لا يحق للولي أن ينتقم للدم.

لقد قتل شاول الطرسوسي كثيرين لكنَّه فعل هذا بجهالة لذلك ظهر لهم السيِّد المسيح نفسه وأعلن له الحق، فاشتاق أن يُقتل من أجل اسمه. وغفر أيضًا السيِّد لصالبيه لأنَّهم فعلوا هذا عن عدم معرفة.

رابعًا: جاءت فكرة مدن الملجأ تكشف عن نيَّة الله المترفِّق بشعبه الذي يدخل بالنفوس المؤمنة الهاربة من الدينونة إلى جنبه بالإيمان بدم المسيح. من يهرب من الخطيَّة إلى السيِّد المسيح يجده فاتحًا أبواب محبَّته مدينة ملجأ له.

خامسًا: لا يوجد ملجأ للقتلة عن عمد، أي للمصريِّين على قتل النفوس، والسلوك بروح إبليس السفَّاك. ليس من حق القاتل عمدًا أن يجد رحمة عند القاضي الذي لا يحمل السيف عبثًا، بل للانتقام من سافكي الدم. لا يتمتَّع بالمغفرة من كان مصمِّمًا على الخطيَّة (عب 10: 26).

يخبرنا اليهود أن الطرق المؤديَّة لمدن الملجأ كانت متَّسعة جدًا، حوالي 32 ذراعًا، وكانت دائمًا تحفظ في حالة جيِّدة[223].

سادسًا: يلاحظ أن الشريعة لم تحسب كل مدن اللآويِّين مدن ملجأ، بل اختارت ثلاث مدن في كل ضفَّة لتأكيد أن اللآويين على قدم المساواة مع الشعب، إن أخطأ لاوي وقتل عن غير عمد لن تحميه مدينته، بل يلزمه أن يهرب إلى مدينة ملجأ حتى تتم محاكمته. هذا ما تؤكِّده الشريعة باستمرار أن الكاهن، وإن نال كرامة خدمة الله، لكنَّه يقف مع الشعب أمام الله وتكون دينونته أشد وأقسى بسبب معرفته.

سابعًا: ربَّما يتساءل البعض إن كانت الشريعة الموسويَّة قد أباحت للوليّ أن ينتقم لدم قريبه، فنجيب بأن الشريعة أرادت أن تحد بكل الطرق من الانتقام. ففي القديم، وحتى إلى وقت قريب في بعض بلاد صعيد مصر كما في كثير من البلاد الصحراويَّة، إن قتل إنسان آخر لا تكتفي أسرة القتيل بقتل القاتل، إنَّما يعتدون على كل الأسرة وينتقمون بقتل القاتل وأحيانًا أولاده وأقاربه ويتحوَّل الأمر إلى حرب داخليَّة بين العائلات، قد تمتد إلى عشرات السنوات. كل منهم يتربَّص للانتقام لأسرته بلا ضابط. لهذا جاءت الشريعة لتضع حدًا بالسماح للوليّ وحده أن يقتل القاتل وليس أهل بيته أو أقرباءه.

هكذا جاءت الشريعة هنا تحقِّق الآتي:

أ. ترفع من شأن المؤمنين لكي لا يعيشوا بلا ضابط من جهة الانتقام والآخذ بالثأر.

ب. تأكيد قدسيَّة حياة الإنسان، سواء بالنسبة للقتيل أو القاتل.

ج. لا يوجد إنسان فوق القانون، بل يخضع الكاهن كما الشعب للشريعة.

د. التزام الجماعة المقدَّسة بإقامة محاكمات عادلة وبتأنِّي في غير اندفاعٍ.

سابعًا: الله مالك السماء والأرض وهب شعبه أرض الموعد بكل ما فيها من مدن؛ لكنَّه طلب أن تكون له ثلاث مدن في كل ضفَّة تنسب إليه، أشبه بمدن الله التي يلجأ إليها الطالبون رحمته. كل المدن مدنه وهبها للبشر، لكنَّه يعود فيطلب قليل القليل ليكون مكرَّسًا لعمله الإلهي في حياة البشريَّة.

ليت إلهنا يجد في أعماقنا مدينة ملجأ يقبلها وينسبها إليه، فتتجلَّى محبَّته ونعمته فيها.

ثامنًا:
توضع على مفارق الطرق علامات يُكتب عليها "ملجأ miklot" بخط واضح، حتى متى رآها الهارب لا يقف ليقرأ أو يبحث أو يناقش، إنَّما يسرع نحو المدينة، فإن الوقت بالنسبة له مقصِّر. أنَّه في خطر! ما هذه العلامات إلاَّ الكتاب المقدس الذي يوجِّهنا نحو مخلِّصنا يسوع المسيح. أنَّه ليس وقت للمناقشات الغبية بل للانطلاق بسرعة نحو المخلِّص لنرتمي في أحضانه ونختفي فيه، فلا يقدر العدو أن يلحق بنا ويقتلنا.

إنجيلنا هو العلامات التي تقودنا إلى مدينة الملجأ الفريدة "يسوع المسيح"، وإذ نحن أنفسنا قد صرنا رسالة المسيح المقروءة من جميع الناس لاق بنا كإنجيل مفتوح أن يقرأ الكل فينا كلمة miklot، ويجدون في أعماقنا طريقًا يقود إلى المخلِّص. هذا هو حال الكنيسة الحيَّة. إنَّها علامة تحمل ذات الكلمة، تقود كل نفس في طريق الحق، وتدخل به إلى الملجأ الإلهي، ليتمتَّع بحريَّة مجد أولاد الله، وسلام الله الذي يفوق كل عقل، وفرح السماء الذي لا ينقطع. الكنيسة هي المنارة التي تحمل بهاء المسيح الذي يشرق على النفوس. إنَّها تنادي الجميع: "اهربوا إلى الملجأ، إلى الرجاء الذي يقدِّمه لكم الإنجيل".

يليق بالمؤمنين أن يجاهدوا بروح الحق، لكنَّهم كأعضاء في كنيسة المسيح يدركوا أن حياتهم ليست إلا اختفاء في المسيح يسوع ملجأهم.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك