إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى فى فكره الواثق من قوة منطقه ودفاعه يتكلم فى هدوء بدافع من الثقة ، أما الضعيف فإذا فقد المنطق والرأى تثور أعصابه ويعلوا صوته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

حقوق الفئات المرذولة
شرائع خاصة بالقتيل بيدٍ مجهولة،
وبالمسبيَّات، والابن البكر، الابن المعاند،
والمعلّق على خشبة

تحدَّث في الأصحاح السابق عن المؤمن كجندي حقيقي يدخل المعركة تحت قيادة الله نفسه، يحارب الشر بكل قوَّة وحزمٍ، ويحمل روح الله واهب الحب فيترفَّق حتى بالأشجار فلا يدمِّرها أثناء معركته. الآن ينطلق بنا إلى دائرة الرحمة فيقدِّم لنا خلال شريعته أمثلة حيَّة للرحمة الحقَّة التي لا يمكن نزعها عن العدل، حتى لا تتحوَّل إلى نوع من التسيُّب. أراد المشرع تأكيد حقيقتين هامتين في هذا الأصحاح، وهما تقدير الحياة البشريَّة، والاهتمام بحقوق الإنسان، خاصة العاجز عن التمتُّع بحقوقه.

تحدَّث هنا عن الفئات المرذولة والمحتقرة أو المظلومة حتى نأخذ موقفًا إيمانيًا لائقًا. تحدَّث عن دم القتيل المجهول، والمسبيَّة التي تؤخذ زوجة ثم يعود فيطردها الزوج، والابن البكر من الأم المكروهة، والأب الذي يتمرَّد عليه ابنه، وجثمان من حُكم عليه بالإعدام وعُلِّق على خشبة. هذه عيِّنات متنوِّعة لفئات مرذولة أو مظلومة.

1. القتيل بيد مجهولة                 [1-9].

2. المسبيَّة التي تؤخذ زوجة         [10-14].

3. حق البكوريَّة                      [15-17].

4. الابن المتمرِّد                      [18-21].

5. المعلَّق على خشبة                [22-23].


1. القتيل بيدٍ مجهولة:


"إذا وجد قتيل في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعًا في الحقل لا يعلم من قتله. يخرج شيوخك وقضاتك ويقيسون إلى المدن التي حول القتيل" [1-2].

لا يستطيع أحد أن يدرك قيمة هذه الشريعة الخاصة بالاهتمام بالدم المسفوك بيدٍ مجهولةٍ إلاَّ ذاك الذي يدرس عادات الأمم في ذلك الحين، حيث كان دم الإنسان في نظرهم تافهًا لا يساوي شيئًا، أمَّا هنا فيُحسب ذلك جريمة على الأرض، وخطيَّة في نظر السماء لا يمكن غفرانها ما لم تكن الجماعة جادَّة في البحث عن القاتل. حياة كل إنسان هي موضع الاهتمام الإلهي نفسه.

سبق فقدَّم شريعة القاتل عمدًا (19: 11)، وكيف يُسلَّم في يد وليّ الدم فيموت، فيُنزع دم البريء من إسرائيل. في هذا الأصحاح يعالج الموقف إذا لم يُعرف من هو القاتل. إن وُجد إنسان قتيل لا يؤخذ الأمر بتهاون بل يلزم البحث عن القاتل في جدِّيَّة حتى لا تتنجَّس الأرض بسفك دمٍ بريء. وكما جاء في سفر إشعياء: "لأنَّه هوذا الرب يخرج من مكانه ليُعاقب إثم سكان الأرض فيهم، فتكشف الأرض دماءها، ولا تغطِّي قتلاها في ما بعد" (إش 26). تُعتبر الجماعة كلَّها المحيطة بالموقع الذي يوجد فيه قتيل بيدٍ مجهولة مذنبة في حقِّه وأمام الله، ما لم تعمل كل ما في وسعها حتى تكتشف القاتل وتحكم عليه. من أجل هذا يجتمع شيوخ المدن المجاورة وقضاتها لفحص الأمر[234].

أمال الله أذنيه ليسمع صوت دم هابيل الصارخ إليه من الأرض (تك 4: 10). إنَّه لا يطيق أن يسمع الأعذار البشريَّة: "لا أعلم، أحارس أنا لأخي؟!" (تك 4: 9).

جاءت الشريعة تؤكِّد الآتي:

أ. البحث الجاد عن القاتل، وفحص الشهود، ودراسة الظروف المحيطة بالجريمة، حتى يمكن الكشف عن مرتكب الجريمة، لكن إن لم يتمكَّن أحد من التعرُّف على المجرم فلا يجوز التسرُّع في اتِّهام أي شخص، حتى لا يُظلم أحد.

ب. يمارس الشيوخ الطقس التالي:

"فالمدينة القُربى من القتيل يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يُحرث عليها، لم تجرَّب بالنير، وينحدر شيوخ تلك المدينة بالعجلة إلى وادٍ دائم السيلان لم يُحرث فيه ولم يزرع، ويكسرون عنق العجلة في الوادي" [3-4].

جاء في سفر الخروج (13: 13) "كل بكر حمار تفديه بشاة، وإن لم تفده فتكسر عنقه". هذا الطقس ليس ذبيحة تقدَّم لله، وإنَّما هو عمل رمزي فيه يؤكِّد شيوخ المدينة التي بالقرب من القتيل أنَّه إن سقط القاتل بين أيديهم يكسرون عنقه بلا تردُّد. أمَّا اختيارهم لوادٍ لم يُحرث فيه ولم يزرع فإشارة إلى أنَّه بسبب هذه الجريمة تصير الأرض خربة لا تصلح للزرع. يرى بعض اليهود أنَّه إن لم يُكتشف القاتل ويُقتل تترك الأرض التي كُسر فيها عنق العجلة قفر، لا تُزرع.

ج. "ثم يتقدَّم الكهنة بنو لاوي، لأنَّه إيَّاهم اختار الرب إلهك ليخدموه ويباركوا باسم الرب، وحسب قولهم تكون كل خصومة وكل ضربة" [5].

هكذا سفك دم إنسان يربك كل الحكام (الشيوخ) والقضاة والكهنة ليعمل الكل معًا من أجل اكتشاف القاتل.

يتقدَّم "الكهنة بنو لاوي" بكونهم خدَّام الله ملك إسرائيل، وملتزمين أن يحرصوا على إتمام الشريعة الإلهيَّة بكل أمانة. هنا يحضر الكهنة الساكنون في أقرب مدن اللآويِّين المجاورة للموضع الذي وُجد فيه القتيل. حضورهم أيضًا يُعطي للموقف قدسيَّته، ويكشف عن خطورته، يعلنوا حضرة الله نفسه ليفصل في القضيَّة. الله نفسه يهتم بهذا الأمر.

د. "ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق في الوادي،ويصرِّحون ويقولون: أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر. اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب، ولا تجعل دم بريء في وسط شعبك إسرائيل. فيُغفر لهم الدم. فتنزع الدم البريء من وسطك إذا عملت الصالح في عينيّ الرب" [6-9].

إذ يغسل جميع الشيوخ أياديهم على العجلة المكسورة العنق يعلنون أنَّهم أبرياء من سفك الدم، وأن المدينة كلها تلتزم أن تعلن عن الحق، وتكشف عن القاتل. كأنَّهم يقولون مع المرتِّل: "اَغسل يدي في النقاوة، فأطوف بمذبحك يا رب" (مز 26: 6). "حقًا قد زكًّيت قلبي باطلاً، وغسلت بالنقاوة يديَّ" (مز 73: 13). أنَّهم يعترفون أنَّهم ليس قط لم يسفكوا هذا الدم البريء بل ولم يستطيعوا أن يتعرَّفوا على القاتل لتسليمه لوليّ الدم. أمَّا بيلاطس فقد غسل يديه وهو يقول: "إنِّي بريء من دم هذا البار" (مت 27: 24). لكن قوله هذا لم يعفه من المسئوليَّة، فإنَّه لا يستطيع أن يقف أمام الله ويقول: "أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر". غسل يديه لا يجعله بريئًا من سفك دم السيِّد المسيح.

ه. يُصلِّي الشيوخ (والكهنة) لكي يغفر الله لشعبه، فلا يتحمَّل الشعب هذا الجُرم بسبب قاتلٍ ارتكب جريمته خِفية وهرب. إن كان كل شخص مسئول عن خطئه هو وليس عن أخطاء الغير، لكن الجماعة ككل تلتزم بالعمل والصلاة من أجل الحياة الجماعيَّة المقدَّسة. عندما حزن شعب أهل كورنثوس من أجل إنسانٍ واحدٍ سقط في خطيَّة الزنا، قال الرسول: "فإنَّه هوذا حزنكم هذا عينه بحسب مشيئة الله كم أنشأ فيكم من الاجتهاد، بل من الاحتجاج، بل من الغيظ، بل من الخوف، بل من الشوق، بل من الغيرة، بل من الانتقام؛ في كل شيء أظهرتم أنفسكم أنَّكم أبرياء في هذا الأمر" (2 كو 7: 11).

من هو هذا القتيل إلاَّ البشريَّة التي حطَّمتها الخطيَّة؟! من يزيل إثمها إلاَّ ذبيحة السيِّد المسيح البار؟!

لا نعجب من الضغط الذي تضعه الشريعة على قادة المدن المجاورة لموقع الجريمة، فإنَّه في علم النفس الجنائي الحديث اكتشف العلماء أن مرتكب الجريمة غالبًا ما يحوم حول الجريمة، لهذا كثيرًا ما يكتشف الجاني بمراقبة موقع الجريمة في شيء من السريَّة وملاحظة المتردِّدين على الموقع.

غالبًا ما ترتكب جرائم القتل خِفية، لأنَّها من عمل عدوّ الخير رئيس مملكة الظلمة، لذا طالبت الشريعة أن يكون البحث عن الجاني علانيَّة في النور، حتى تسير الأمور في طريقها الصحيح.

2. المسبيَّة التي تُؤخذ زوجة:

إذ عالجت الشريعة موضوع الزواج بالمسبيَّات أوضحت حقوق الزوجات إن حدث تعدُّد زوجات، وإن كان هذا التعدُّد لم يكن مقبولاً. يمكننا القول بأنَّه من أجل قسوة قلوبهم سُمح للجنود، حسب الشريعة الموسويَّة، أن يتزوَّج الجندي بالسيِّدة التي يسبيها في الحرب، إن أراد ذلك. وقد سُمح له بذلك حتى لا يسقط في الدنس معها دون زواج، فيكون في وسط إسرائيل حرام، ويحلّ غضب الرب على الجيش كلُّه. لكن يلزمهم ألاَّ يُسيئوا استخدام هذا السماح إذ وضعت له قوانين وحدود.

واضح، كما يقول اليهود، أن الرجل هنا متزوِّج، فيُسمح له بالزوجة الثانية المسبيَّة. هنا ينسحب قلب الجندي وراء عينيه اللتين تنظران إلى امرأة فيراها جميلة ويشتهيها. أمَّا في العهد الجديد فقد حُسبت النظرة وراء الشهوة خطيَّة زنا، إذ تطالبنا شريعة المسيح ألاَّ نشتهي، فلا ينسحب القلب وراء النظرة الخاطئة.

أ. مهما كانت رغبة الجندي، ومهما بلغ جمال المرأة المسبيَّة، يجب ألاَّ يتسرَّع في الالتصاق بها، إنَّما يجب أولاً أن يتَّخذها لنفسه زوجة [11].

"إذا خرجتَ لمحاربة أعدائك ودفعهم الرب إلهك إلى يدك وسبيت منهم سبيًا. ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة والتصقت بها واتَّخذتها لك زوجة" [10-11].

ب. إن كانت المرأة مسبيَّة فمن حقِّه أن يتزوَّجها دون أن يطلب رضا والديها. لكنَّه يلتزم ألاَّ يقترب منها إلاَّ بعد شهر من الزمان، إذ قيل:


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


11 توت 1736 ش
22 سبتمبر 2019 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك