إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

فى حالة الخطية ينفصل القلب عن الله فإن صارت محبته للعالم كاملة يكون أنفصاله عن الله كاملاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية اصحاح 24 جـ1 PDF Print Email

سلامة الأسرة
مع شرائع أخرى

تحدَّث في الأصحاح السابق عن "جماعة الرب" وقدسيَّتها والحفاظ عليها. الآن يتحدَّث عن شرائع تمس الأسرة وكيانها، فيبدأ بالتضييق على الطلاق، والاهتمام بسعادة الأسرة حتى في فترات الحروب، والالتزام بمساندة الأسر الفقيرة والمحتاجة بطرق متنوِّعة. فقد اهتم بمن يضطرُّون إلى الرهن متحدِّثًا عنهم ثلاث مرَّات في هذا الأصحاح.

يمكن القول بأن هذا الأصحاح يحفظ حقوق الإنسان بوجه عام، كما يدافع عن حقوق المرأة في أمر الطلاق، وحقوقها في فترة عرسها (السنة الأولى من زواجها). كما يدافع عن حقوق المدينين الفقراء، وحقوق العمال الأجراء، وحق الإنسان في ألاَّ يٌعاقَب بسبب خطأ ارتكبه أقرب المقرَّبين إليه، وأخيرًا حق الإنسان في ممَّارسة الحريَّة.

1. الأسرة والطلاق                            [1-4].

2. الأسرة والتجنيد                             [5].

3. الأسرة والرهن                                       [6].

4. الأسرة ونظام العبوديَّة                      [7].

5. الأسرة والتذمُّر                             [8-9].

6. الأسرة والقروض                           [10-13].

7. الأجير والأجرة                              [14-15].

8. المسئوليَّة الشخصيَّة                        [16].

9. الأسرة والرهن                                       [17-18].

10. مراعاة المحتاجين أثناء الحصاد          [19-22].

1. الأسرة والطلاق:


لا يمكن الحفاظ على قدسيَّة جماعة الرب دون الاهتمام بقدسيَّة الأسرة والرباط الزوجي. يليق بالمؤمن أن يتطلَّع إلى الزواج في قدسيَّة ووقارٍ، حاملاً ذات فكر الله في هذا الشأن، الذي يرى الوحدة الأسريَّة يجب أن تكون أهم وأقوى وحدة تعرفها الأرض. من أجل قسوة قلوبهم سمح لهم موسى بالطلاق، حتى لا يرتكب أحد جريمة قتل للخلاص من زوجته، أو يبرِّر لنفسه أن يرتكب الزنا، فيسقط تحت الغضب الإلهي، ويتعرَّض هو ومن ارتكب معها الشر للرجم (إن كانت متزوَّجة). أمَّا في العهد الجديد حيث دخل الإنسان إلى النضوج فلم يُسمح بالطلاق إلاَّ لعلَّة الزنا (مت 19: 8-9).

لقد وضعت الشريعة حدودًا للطلاق من بينها القانون التالي:

"إذا أخذ رجل امرأة وتزوَّج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه، لأنَّه وجد فيها عيب شيء وكتب لها طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجلٍ آخر، فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتَّخذها له زوجة، لا يقدر زوجها الأول الذي طلَّقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجَّست. لأن ذلك رجس لدى الرب. فلا تجلب خطيَّة على الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا" [1-4].

أمَّا ما وراء هذا القانون فهو:

أولاً: ألاَّ يتسرَّع الإنسان في طلب الطلاق لأي سبب، فالشريعة تستلزم أن لا يكفي أن ينطق بكلمة الطلاق، بل يلزمه أن يعلن ذلك كتابة، وأن يوقِّع على شهادة الطلاق شاهدان أو أكثر، وأن يسلِّم كتاب الطلاق للزوجة في يدها ويطلِّقها، أي يقدِّم لها احتياجاتها الماديَّة حتى لا يتسرَّع أحد بل يراجع نفسه. بجانب هذا فإنَّه إن طلَّق فليعلم أنَّه إن تزوَّجها أحد لن يمكنه الزواج منها إن طلَّقها الآخر أو حتى مات، مهما كانت الأسباب.

فيما يلي صورة من كتاب الطلاق الذي يكتبه الرجل لزوجته المطلَّقة[254]:

[في يوم... من الأسبوع، أو يوم... من الشهر...، في سنة... من خلقة العالم، أو من ملك (الإسكندر) بحسب عادتنا هنا في الموضع...، أنا فلان بن فلان من منطقة... بإرادتي الحرَّة، وبرغبة نفسي، دون أيَّة ضغوط، قد تركتكِ وتخليَّت عنكِ واستبعدتكِ يا فلانة ابنة فلان، من مدينة...، التي كنتِ زوجة لي، والآن أصرفكِ عنٍّي وأترككِ واستبعدكِ، فتكونين حرَّة، ولكِ سلطان على حياتك، وأن تتزوَّجي أي إنسان تريدين، وليس لأحد أن يرفضكِ بسبب اسمي من هذا اليوم وإلى الأبد. وهكذا يحق لكِ أن تكوني لأي إنسان. وهذا منِّي كتاب طلاق، كتاب لتخليتكِ ورسالة لاستبعادكِ، وذلك بحسب شريعة موسى وإسرائيل].

ثانيًا:
يؤكِّد حق الزوجة المطلَّقة أن تتزوَّج، فيُحسب الرجل الأول بالنسبة لها كأنَّه مات، لهذا لا يجوز لها الالتصاق به بعد اتِّحادها برجل آخر، فتكون كمن التصقت بجثمان ميِّتٍ، ويحسب ذلك دنسًا.

ثالثًا: يرى البعض أن هذا القانون صدر لمنع بعض العادات الدنسة كتلك التي كان بعض المصريِّين يمارسونها، إذ كان الرجال يتبادلون الزوجات فيما بينهم. فخشية أن يطلِّق رجلان زوجتيهما ليقبل كل منهما زوجة الآخر إلى حين ثم يطلِّقاهما، ويعودان فيتزوَّجان كل واحدٍ من زوجته الأولى، فيصير الزواج والطلاق وسيلة لتحقيق هذا السلوك الدنس تحت ستار شريعة الطلاق. لذلك رفضت الشريعة الزواج نهائيًا بالزوجة الأولى متى التصقت بآخر. بهذا يدرك الرجل أن المرأة ليست ألعوبة في يده، يستطيع أن يطردها في أي وقت، ويستردَّها متى شاء، إنَّما لها كيانها البشري وشخصيَّتها التي يلزم أن يُقدِّرها الزوج.

رابعًا: يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن الشريعة لم تمنع الرجل الذي يبغض زوجته من أن يطردها ويتزوَّج أخرى، لكنَّه يلتزم أن يعطيها كتاب طلاق، ولا يجوز له أن يردَّها مرَّة أخرى حتى إن مات رجلها الثاني أو طلَّقها. والسبب في هذا أن الشريعة خشيت من أن يلتزم الرجل ببقاء الزوجة التي يبغضها فيقتلها، لأنَّه هكذا كان حال اليهود في ذلك الحين. كانوا يقتلون الأنبياء ويسفكون الدم كالماء (مز 79: 3). فطرْد الزوجة المكروهة أقل شرًا من قتلها. أمَّا علَّة عدم إعادتها فذلك لكي يُدرك الكل أنَّه يليق بقاء الزواج وعدم فسخه، فيلزم على الرجل قبل أن يطرد زوجته ويطلِّقها أن يراجع نفسه مرَّات لأنَّها لن تعود إليه[255]].

خامسًا: اختلف المفسِّرون اليهود في تفسيرهم للعبارة: "لأنَّه وجد فيها عيب شيء" [1]. ففي رأي مدرسة هلليل Hillel أن الرجل يمكنه أن يطلِّق زوجته لأي سبب يرى أنَّه غير لائق[256]. ففي أيَّام السيِّد المسيح جاءه الفرِّيسيُّون يتساءلون: "هل يحل للرجل أن يطلِّق امرأته لكل سبب" (مت 19: 3). أمَّا مدرسة شمعي Shammai فعلى النقيض رأت أنَّه ليس من حق الرجل أن يطلِّق زوجته إلاَّ لعيب قوي فيها مثل ارتكاب خطيَّة الزنا[257]. وإن كان لا يمكن تفسير العيب هنا بارتكاب الزنا، لأن هذه الخطيَّة عقوبتها الرجم لا الطلاق.

2. الأسرة والتجنيد:

بكل وسيلة أوضح الله كراهيَّته للطلاق، مشتاقًا ألاَّ يحدث في وسط شعبه، وفي نفس الوقت أعطى اهتمامًا عظيمًا لسلامة الأسرة وسعادتها، لهذا أعفى المتزوِّج حديثًا من واجب الجنديَّة لكي يقضي السنة الأولى مع زوجته في حياة سعيدة. أساس سعادة المجتمع كله هو الأسرة. فالأسرة المتهلِّلة تبعث روح الفرح على من حولها.

"إذا اتَّخذ رجل امرأة جديدة فلا يخرج في الجند، ولا يُحمل عليه أمر ما. حُرًا يكون في بيته سنة واحدة، ويسر امرأته التي أخذها" [5].

لا يُسمح بالمتزوِّج حديثًا أن يشترك في حرب خلال السنة الأولى من زواجه لعدَّة أسباب منها:

أولاً: كما سبق فرأينا سابقًا استبعاد الأشخاص المشغولين بأمور تتملَّك على أفكارهم وقلوبهم ممَّا قد تسبب لهم خوفًا أو جبنًا أثناء المعركة.

ثانيًا: حفاظًا على سلامة الأسرة ووحدتها، فالإنسان في السنة الأولى كثيرًا ما يجد مشاكل في حياته الزوجيَّة حيث لم يتعرَّف الطرفان بعد على قبول إرادة الآخر وإدراك مفاهيمه كما يجب، فخروج الرجل للحرب مدَّة طويلة قد يسبب برودة في المحبَّة الزوجيَّة، أو يجد أحدهما ذلك فرصة لعدم العودة إلى الحياة الزوجيَّة.

ثالثًا: إذ كان يليق بكل شعب الله أن يكونوا طاهرين، ليس لهم خبرة في العلاقات الجسديَّة قبل الزواج، لهذا عند زواجهم تصير لهم خبرة جديدة يصعب الخلاص منها. فإن استدعى الرجل إلى الجيش يجد صعوبة للحياة بدون علاقة جسديَّة فيسقط في حب أيَّة سيِّدة يلتقي بها أثناء الحرب، خاصة إن غَلب جيشه وأسر بعض النسوة. وأيضًا قد تجد العروس التي تركها عريسها صعوبة أن تسلك بطهارة في هذه الفترة الحرجة.

رابعًا: غاية عدم خروج الرجل إلى الحرب ليس الهروب من المعركة، ولا الخوف من الموت، إنَّما يلزمه أن يصنع ما في وسعه لإسعاد زوجته.

خامسًا: يعتبر الله السنة الأولى من الزواج "حفل عرس مستمر"، لن يتكرَّر، لهذا يحرص الله بنفسه على الحفاظ عليه وتحصينه، حتى يبقى العروسان في فترة من الفرح والبهجة تسندهما كل أيَّام حياتهما. أنَّها بداية حياة جديدة، يحرص الله أن يرويها بمياه الفرح والسرور، كي يجد الله نفسه راحة فيها. وكأن فرح العروسين هو موضع سرور الله نفسه.

سادسًا: هذا الحفل المستمر لمدَّة سنة كاملة له حدوده. فهو ليس بالحفل الذي يبعث روح الكسل وعدم الالتزام، إنَّما هو حفل مؤقَّت يؤسِّس بيتًا مقدَّسا يعمل فيه الرب ويمارس العروسان دورهما بكل جديَّة. فمع أهميَّة حياة الفرح يلزم أن يرتبط الفرح بالحكمة؛ والسعادة بالعمل والالتزام بالمسئوليَّة.

سابعًا: كما يليق بالمؤمن أن يعمل لحساب الجماعة، باذلاً حتى حياته من أجلها، يليق بالدولة أيضًا أن تهتم بكل عضوٍ فيها، تهتم بالعروس المتزوَّجة حديثًا، بنفسيَّتها وسعادتها واستقرار بيتها.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 24 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


19 بشنس 1736 ش
27 مايو 2020 م

نياحة الانبا أسحق قس القلالى
تذكار استشهاد القديس ايسيذورس الانطاكي

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك