ماذاأعطتني القيامة؟ لنيافة الأنبا موسى القيامة تعطى الحياة معنى فالذينلا يؤمنون بالله، ولا بالقيامة، ولا بالدهر الآتي، لا يرون في هذا الوجود سوىالتفاهة واللامعنى... وها أمامنا أقوال الوجوديين الملحدين مثل يونسكو وبيكيت: (1) "هذا الوجود لا طائل منه... إنه تافه وزائد عن الحاجة" (سارتر). (2) "الإنسان يخرج من ظلمة الرحم، ويمضى إلى ظلمة الحياة، وينتهي إلى ظلمة القبر" (صموئيل بيكيت). (3) "هذه الحياة لا تستحق سوى الانتحار، ولكنى لا أفضل ذلك" (كامي). (4) "ينبغي أن يموت الله لأحيا أنا" (أحد الوجوديين). (5) "ياأبانا الذي في السموات، اِبقَ فيها" (أحد الوجوديين). وكما يلاحظ القارئ الحبيب،فإنها أقوال تخلو من النور والمعنى، وتهبط بالبشرية إلى أسافل اليأسوالظلمات. فلنقارن هذا بما قاله سليمان الحكيم، بالروح القدس، عن الإنسان، وعنعلاقة الله به: "صنع (الله) الكل حسناً في وقته، وأيضاً جعل الأبدية في قلبهم (أي البشر)، التي بدونها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله، من البداية إلىالنهاية" (جامعة 11:3). نعم فالإيمان نور، يشرق على الذهن البشري، فيسكب فيهإيحاءات الاستنارة المقدسة، والفهم السليم، والإدراك الإلهي، لهذا قال الرسول بولس: "بالإيمان نفهم، أن العالمين أتقنت بكلمة الله، حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر" (عب 3:11).. فالإيمان كالتليسكوب الذي يقرب الأمور البعيدة، حتى تدركها العينالمجردة المحدودة، وهو الذي يجعل العقل الإنساني المحدود، قادراً على الإدراكالجزئي لعالم غير المحدودات، ولحقائق اللاهوت العليا. وكما لا يستطيع التليسكوب أنيستغنى عن العين المجردة، ولا العين المجردة تستطيع أن تستغني عن التليسكوب، كذلكالعقل والإيمان، لا يستغنى أحدهما عن الآخر، لندرك - ولو جزئياً - عالمالمالانهاية، ودنيا الخلود. ألم يقل الرسول بولس: "ما لم تر عين، وما لم تسمعأذن، وما لم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه، فأعلنه الله لنا نحنبروحه، لأن الروح يفحص كل شيء، حتى أعماق الله... لأن أمور الله لا يعرفها أحد إلاروح الله..." (1كو 9:2-11). وهذا ما قاله أيوب الصديق: "بعد أن يفنى جلدي هذا،وبدون جسدي، أرى الله" (أيوب 26:19). وهو نفس ما ردده الرسول بولس: "إننا ننظرالآن في مرآة، في لغز، ولكن حينئذ وجهاً لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة، ولكن حينئذسأعرف كما عرفت" (1كو 12:13). القيامة إذن، إشراقة نور، على الذهن البشرىالمظلم، تعطى الحياة معنى، وتشرح لنا ما غمض علينا!!
والقيامة تعطىالحياة هدفاً: إذ ما هي غاية وجودنا إن كنا "نأكل ونشرب لأننا غداً نموت" كماكان يقول أصحاب "مبدأ اللذة"؟! (1كو 32:15)... تصوروا إنساناً يولد، ليتعب في حياتهاليومية جسدياً وذهنياً وروحياً ونفسياً... يجاهد في الدراسة والعمل والزراعة... ويتقبل ضغوطاً نفسية رهيبة من الحياة اليومية ومصادمات البشر... ثم يصارع مع أعداءالروح: الشهوات والجسد والعالم والذات والشيطان... ويجاهد في تحصيل العلوم والنموفي عمله كطبيب أو مهندس أو معلم... ثم تضعف صحته، وتطحنه السنون والأمراض والمتاعب،لتنتهي حياته إلى لا شيء؟! ما معنى هذا كله، لو لم تكن الأبدية في قلبه، والملكوتأمامه، والخلود مقصده؟ إن هذه الحياة الأرضية الدنيا تتسم فعلاً بالدونية، إذاما قيست بالحياة الأبدية السمائية، التي تتسم بالتسامي والارتفاع؛ لهذا ترى الكنيسةفي الموت رقاداً، اقتداءً بالرب الذي قال عن لعازر إنه "قد نام"... القيامة - إذن - تعطى الحياة هدفاً وغاية، "هذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإلهالحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 3:17). والمؤمن الحقيقي "سيرته هي فيالسموات... التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح، الذي سيغير شكل جسدتواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده..." (في 20:3،21). ويعلمنا القديس موسىالأسود قائلاً: "اُذكر ملكوت السموات، لكي تتحرك فيك شهوته"، فالملكوت هو الغاية،لهذا أوصانا الرب قائلاً: "اُطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم" (مت 33:6). بل إنه أعطانا الملكوت داخل قلوبنا، عربوناً للملكوت الخالد في أورشليمالسمائية، وذلك حين قال لنا: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 21:17). القيامة إذن تهديفلحياتنا، إذ نتطلع من خلالها إلى الملكوت الأبدي.
والقيامة تعطى الحياةقيمة فما قيمة حياتنا الدنيا دون خلودنا الأبدي؟! تعالوا نتأملها معاً لندركشقاءها، منذ حلت عليها لعنة الخطيئة الأولى: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منهاكل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزاً، حتىتعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب، وإلى التراب تعود" (تك 17:3-19). ونفس هذا التعب، كان حكم الله على حواء: "تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجعتلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك" (تك 16:3). فما قيمة أرضالتعب هذه؟! الجسد ?: يشقى بالمرض، والسنين، والكوارث الطبيعية كالزلازل،والبراكين، والسيول، والمجاعات، والحروب والأوبئة... والنفس? : تشقى بالهموموالقلق والاضطرابات النفسية، والصراعات الكامنة والظاهرة، والغيرة، والتحزب،والأنانية.. والذهن: ? يشقى بالجهاد والدراسة والتحليل، والفشل، والقصور،والرغبة في معرفة لا تنتهي وبلا حدود... وكما قال أينشتاين: "كلما ازددت علماً،ازددت إحساساً بالجهالة". والروح:? تشقى بالخطيئة والدنس، والانفصال عن الله،وغياب الحكمة السمائية، والرؤى الإلهية... لكن... شكراً لله من أجل عقيدةالقيامة، لأنه بمقتضاها: الجسد: ? يقوم جسداً روحانياً، نورانياً، سمائياً،خالداً لا يعتريه المرض، ولا تطاوله الخطيئة، ولا يخضع للموت. النفس: ? تهدأبين يدي الله، في عالم لا تتسلل إليه التجارب والقلق والهموم، عالم هرب منه الحزنوالكآبة والتنهد، في نور القديسين، وفوق الكل، في شركة مع الله وملائكته وأهل بيته. الروح:? طاهرة بلا فساد، تدخل إلى فرح الملكوت، وتتمتع بأمجاد القيامة،والجلوس في عرش الله، والتقدم نحو معرفة أعمق بشخصه المحب، وروحهالقدوس. القيامة - إذن - تعطى الطبيعة البشرية قيمة خاصة، وإلا صارت مشابهةللحيوانات التي تنتهي حياتها بموتها، ونفسها في دمها، ولا أبدية لها.
والقيامة تعطى الحياة رسالة: فنحن هنا لرسالة محددة، لولاها ما كان للحياةمعنى... وهذا ما نتعلمه من معلمنا بولس الرسول، حين يقول: "ولكن إن كانت الحياة فيالجسد هي لي ثمر عملي فماذا أختار؟ لست أدرى! فإني محصور من الاثنين: لي اشتهاء أنأنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً، ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم. فإذأنا واثق بهذا أعلم أني أمكث وأبقى مع جميعكم لأجل تقدمكم وفرحكم في الإيمان" (في 22:1-25). هو - إذن - موجود على هذه الأرض لرسالة، وهذه الرسالة هي الخدمة،والكرازة بالملكوت، ورعاية أولاده روحياً، حتى يصلوا إلى الرب، ويثبتوا فيه،ويخلصوا به ومن هنا ندرك رسالة وجودنا في هذه الأرض... إنها ليست الأرض، ولاالمادة، ولا المناصب، ولا الحياة الطبيعية التي لكل البشر كالزواج والتناسل... إنوجودنا هنا ولهدف جوهري هو: "الخدمة والكرازة بالمسيح"... ليتعرف الكل عليه،ويخلصوا بدمه.. وفي هذا يقول معلمنا بولس الرسول لتلاميذه: "الآن نعيش، إن ثبتمأنتم في الرب" (1تس 8:3)، بمعنى أن هدف حياته الوحيد هو أن يثبت أولاده في الرب،وإلا فلماذا يعيش إذن؟! لهذا عاش آباؤنا غرباء عن الأرض، واتخذوا مبدأ "الانحلال عن الكل، للارتباط بالواحد" وكان شعارهم: "من لي، في السماء، ومعك لاأريد شيئاً على الأرض" (مز 25:73). وهكذا استحقوا أن يعيشوا الملكوت وهم في هذهالأرض، ويتذوقوا الخلود قبل أن يصلوا إلى الشاطئ الآخر، ويحيوا في السماويات، بينماأجسادهم تدب على هذا التراب الفاني.. حتى قدماء المصريين، آمنوا بالقيامةوالخلود، فبنوا المقابر والأهرامات، وتصوروا أن الروح تصعد مع أشعة الشمس إلىالعالم الآخر، حينما تتهادى أشعتها كل يوم على سطح الهرم، وكانوا يضعون تمثالاًيحمل ملامح الجسد بجوار الإنسان المتوفى، لتتعرف الروح على الجسد المتحلل يومالقيامة. كما كانوا يضعون مع الجسد ما كان يحب من ملابس ومأكل ومشرب، كنوع منالإيمان البدائي بحياة بعد الموت. وبعضهم كان يدفن الجسد في وضع القرفصاء، إشارةإلى صورة الجنين في رحم الأم، وانتظارا أن يولد الإنسان ثانية، من رحم الأرض، إلىخلود مقيم.
حقاً، ما أعجب عقيدة القيامة! وما أهمها لحياتنا الأرضية،وحياتنا الأبدية!! فليتمجد مسيحنا الحي، القائم من الأموات، والذي سوف يقيمنا معه،ويجلسنا معه في السموات.