|
مقدمة :
يقع
على كاهل الكاهن القبطي العديد من المسئوليات، ومعظمها كبيرة لأنها تتعلق بخلاص
النفوس وترتبط بالأبدية، ولذلك يحتاج الكاهن لمعاونين ليتعاونوا معه في تغطية
احتياجات الرعية المتعددة. عندما وجد التلاميذ في العصر الرسولي أن هناك قصورا في
خدمة الأرامل، قالوا : ”..لاَ يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللهِ
وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ، فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ
مِنْكُمْ ... فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ“ (أع6 :2، 3).. هذه المعاونة
في الخدمة، تحقق حياة الشركة التي هي إحدى سمات الكنيسة، كما يعبِّرُ عنها بولس
الرسول : ”هَكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ : جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ
وَأَعْضَاءٌ بَعْضاً لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ“ (رو12 :5).
أب
الاعتراف :
الأب
الكاهن هو خادم الأسرار.. وأهمها سر الاعتراف، الذي يفتح الطريق أمام الإنسان
الضال للعودة إلى حظيرة الخراف.. ”هَكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ
الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ“ (1كو4 :1)؛ وهو يمثِّل الأب السماوي في
قصة الابن الضال، ينتظره ويسعى إليه كل يوم، وإذا جاء إليه يقبله ويعيده إلى رتبته
الأولى.
إن
خدمة الاعتراف مذكورة في نصوص كثيرة من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد،
ولسنا هنا بصدد الدخول في إثبات دور الاعتراف من الكتاب المقدس، لكننا نجد في
تاريخ كنيستنا أن هذه الخدمة هي صانعة القديسين والشهداء على مَرِّ السنين، منذ
أيام الرسل وحتى يومنا هذا. إن البعيد يأنس لأب الاعتراف الذي يشجعه ويقوده في
رحلة العودة إلى حضن الأب السماوي.. يبدأ معه خطوة بخطوة بدءا من تعريفه بالأسلوب
السليم للاعتراف، مع تدريبه على محاسبة النفس والندم على الخطية والعزم على عدم
العودة إليها مرة أخرى، وتشجيعه بوجه بشوش وبكلمات الرجاء وأخيرا بإرشاداته
الروحية التي تعينه على المضي قدمًا في طريق الحياة الأبدية والنمو في النعمة..
ومن خلاله يشعر الخاطئ بأن توبته مقبولة أمام الله، وبأنَّ السماء قد فرحت
بتوبته.. وبقراءة التحليل من الكاهن على رأسه، ينعم بالغفران حسب وعد الربّ يسوع.
إنَّ
الأب الكاهن، باعتباره ابًا للمنهج الروحي وحارسا له في آن واحد، وأيضًا باعتبار
أن من فمه تُطلَب الشريعة، قادرٌ بعمل الروح القدس الحالّ في سر الاعتراف، أن
يوضِّح لابنه في الاعتراف ما هو خطية، وما هو مجرد وسوسة من الشيطان تؤدي به
للسقوط في اليأس.. يعمل الروح القدس من خلال الاعتراف إمَّا ’كمحامي‘ عندما يؤنِّب
المعترفُ نفسَه إلى درجة أن يظلمها بالمبالغة في التأنيب، فيعطيه رجاءً، كما قيل
عن السيد المسيح إنه : ”قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ وَفَتِيلَةً
مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ“ (مت12
:20)، فينقله من الحزن على الخطية إلى الفرح بالغفران.. أو أن يعمل الروح القدس
’كقاضي‘ عندما يكون المعترف غير نادم، وعندما يكون لم يشعر بعد بتجاوزه وصية الله.
يتابع أب الاعتراف مع أولاده نموهم في حياة النعمة.. يعاونهم بصلواته وإرشاداته
ليتدرَّجوا في صعود سلَّم الفضائل خطوة خطوة بالحكمة المعطاة له من خلال هذا
السرّ.
الاستعانة
بالمرشدين :
ربما
يحتاج أب الاعتراف لمعاونة مرشد روحي في رعاية النفس، خاصة في بداية طريق التوبة،
وقد يكون هذا المرشد خادم مدارس الأحد أو خادم الافتقاد، فيقوم بعمل فردي مع هذه
النفس تحت إشراف أب الاعتراف.. وقد يحتاج أب الاعتراف إلى معاونين له في خدمة
المخطوبين والمخطوبات الذين يحتاجون إلى إرشاد لهذه المرحلة (ولهذا نوصي بأن
يُعَدّ أشابين وإشبينات يتعهدون العروسين من بداية الخطوبة وحتى السنوات الأولى من
الزواج، ليكوِّنوا أسرًا روحية سعيدة).. هكذا يستطيع أب الاعتراف ومعاونوه قيادة
النفوس في طريق الأبدية بالمعونة الإلهية، متمنيا أن يقول أمام العرش الإلهي في
المجيء الثاني : ”.. هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ“
(عب2 :13)
خدمة
المشورة :
كما
يحوِّل أب الاعتراف ابنه في الاعتراف إلى مرشد روحي ليتابع نموه الروحي،
والمخطوبين إلى أشابين ليتعهدوهم بالإرشاد في أمور تكوين الأسرة، كذلك يحتاج أيضا
إلى معاونين له في تخصصات مختلفة لإعطاء المشورة في مجالات متعددة، مثل الاحتياج
لمشورة هندسية أو مشورة قانونية أو مشورة طبية، فيختار له المتخصصين المخلصين،
لإعطاء مشورة أمينة، دون أن يتعرَّض المستشير لأي استغلال؛ وهنا ظهرت مشورة من نوع
خاص، هي المشورة في حالة الأزمات. ظهر علم ’المشورة‘ منذ حوالي 50 أو 60 عاما،
ولما كانت هذه المشورة كثيرا ما تتعارض مع المبادئ المسيحية، فقد ظهر علم ’المشورة
المسيحية‘ الذي وضع هذا العلم في إطار مسيحي، يدرس فيه البعض ويحصلون على درجات
علمية تصل إلى الماچستير والدكتوراة، ويتدربون طويلا على إعطاء المشورة حتى يحصلون
على تصريح خاص للقيام بهذه الخدمة. لقد نشأت ’المشورة‘ في الخارج ’كمهنة‘، إلا أن
الكنائس بدأت تقوم بهذه الخدمة بطريقة ’تطوعية‘.. وقد تم افتتاح أول مكتب للمشورة
في الكنيسة القبطية هنا في كنيسة العذراء مريم بأرض الجولف وذلك يوم الأربعاء
21/9/2005 بيد نيافة الأنبا باخوميوس مقرر لجنة الرعاية والخدمة ومطران البحيرة
والخمس مدن الغربية.
مجالات
المشورة :
يحتاج
الإنسان إلى مشورة في مجالات مختلفة.. على سبيل المثال : علاقات أسرية متأزمة، أو
علاقات مهنية متأزمة، أو علاقات متأزمة بين أصدقاء أو جيران، أو سوء فهم بين أطراف
من طوائف أو أديان مختلفة، أو تعرض لاعتداءات من أي نوع سببت أزمات نفسية، أو حيرة
في الاختيار بين بدائل مختلفة في الدراسة أو العمل أو الهجرة، أو متاعب نفسية مثل
الإحساس بالدونية أو فقدان الثقة بالنفس أو القلق أو الوهم أو الشعور بالذنب..
كيف
يقوم المشير بعمله ؟
يحتاج
المشير ‘counseler’ إلى مكتب معَد لهذا الغرض، يتقابل فيه مع المستشير ‘counselee’
بطريقة تحفظ السرِّية، وقد يحتاج الأمر لجلسات مشورة متعددة، على أن تكون الجلسة
ما بين 45 دقيقة إلى ساعة كحدٍّ أقصى.. يستمع المشير إلى المستشير باهتمام ولا
يقاطعه، ثم يفكر معه ويعاونه على اتخاذ قراره بنفسه، وقد يكلفه بواجب يقوم به،
ويتابعه في الجلسة التالية.. يساعده على فهم ذاته وفهم الآخر، ويعاونه على قبول
نفسه وقبول الآخر على ما هو عليه.. يعدِّل مفاهيمه بالحوار الهادئ إن كانت قد
انتقلت إليه مفاهيم خاطئة مع الزمن.. يعاونه على إعادة تربية نفسه لتغيير سلوكه
والتخلص من الأخطاء المترسبة التي لم تعالَج في وقتها، مثل الأخطاء في السلوك التي
قد تكون نشأت في مرحلة الطفولة أو المراهقة.
كيف
تنجح هذه الخدمة ؟
1-
حسن اختيار الخدَّام ممن لديهم الاستعداد للبذل والعطاء، وممن هم على مستوى روحي
للخدمة.
2-
عمل دورات دراسية في التربية وعلم النفس ومهارات الاتصال والأسلوب الناجح لخدمة
المشورة.
3-
التدريب على أيدي أساتذة متخصصين في هذا المجال.
4-
عمل مؤتمرات تنشيطية لنشر الوعي المشوري سواء للمشير أو للمستشير.
5-
فتح المجال أمام الدراسات العليا، كالماچستير والدكتوراة، لتكوين كوادر تقوم
بالتدريس في هذه المجالات.
6-
فتح مكاتب ملحقة بالكنائس تحت رعاية آباء الكنيسة
|