إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير ويبعدها عنها الشر ولكنه لا يملك أن يرغمها

البابا الأنبا شنوده الثالث

هل صلب المسيح بجسده أم بجسدنا PDF Print Email

قرأت تفسيرا للآيات الواردة بالكتاب المقدس ”مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ“ ، ”دُفِنَّا مَعَهُ“ (رومية 6) ، ”مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ“ ‘ (غلاطية 2: 20).. ووجدت في ذلك التفسير عبارات لم أفهمها، مثل: ’هو لم يمت بعيدا عنا، بل مات بجسدنا ودمنا ولحمنا.. فنحن شركاء في هذا الجسد والدم‘ و ’هو لم يمت وحده على الصليب، فنحن كنا فيه على الصليب، ولما دُفِن دفِنَّا معه.. وقيامته هي قيامتنا‘
فهل جسد السيد المسيح الذي صلِب به على الصليب هو جسده هو أم جسدنا نحن؟

 

ذلك تفسير غريب وخطير حقا، يتعارض مع عقيدة الفداء التي هي أساس إيماننا المسيحي.. فجسد السيد المسيح الذي صُلِب به على الصليب هو جسده الخاص به، الذي تجسد وتأنس به من الروح القدس ومن العذراء القديسة مريم، والذي جعله واحدا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير – حسبما تقول عبارات القداس الإلهي – فهو جسد بشري من نفس نوع طبيعتنا البشرية، شابهنا به في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، لكن هذا لا يعني أنه ذلك الجسد هو جسد أيٍّ من بني البشر الآخرين، ولا يعني أن أيا من البشر شريك في جسد المسيح!.. وفي ذلك نقول:

 

(أولا): لا يجوز أن تؤخذ الآيات وتقتطع من سياقها لتستخدم في غير موضعها.. وإذا قرأنا الكلام متصلا في رومية 6: 3-8 نجد النص كما يلي: ”أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ. فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضاً فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ. عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضاً لِلْخَطِيَّةِ. لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ. فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضاً مَعَهُ“. وكما هو:

  • في الأصحاح السادس من رسالة بولس الرسول إلى رومية، واضح أن العبارات ’مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ‘ ، ’دُفِنَّا مَعَهُ‘ إنما تتحدث عن المعمودية وليس عن حادثة صلب المسيح.. فنحن لم نمت مع المسيح على صليب الجلجثة! ولم ندفن معه في القبر الذي أعده يوسف الرامي!!.. فالرسول هنا يقول: ”أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ. فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ..“؛ (ونراه أيضا ويؤكد نفس المعنى في رسالته إلى كولوسي 2: 12: ”مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أقِمْتُمْ أيْضاً مَعَهُ..“)، فالدفن معه والقيامة معه هي في المعمودية، ونحن إذن نموت مع المسيح ونقوم معه في المعمودية، ولسنا نموت معه على صليب الجلجثة، أو نقوم من القبر الذي دُفِن فيه.. هذا واضح جدا من النص، لا يحتاج تفسيرا ولا يحتمل تأويلا!..
  • نلاحظ أيضا من نص الآيات في هذا الأصحاح السادس قول الرسول في نفس سياق الكلام: ”..مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ“ ويتابع الرسول هذه الكلمات مباشرة فيقول: ”عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ..“.. الكلام كله هنا عن المعمودية، وليس عن صليب الجلجثة.. ولا يمكن هنا للقارئ باللغة العربية، أو للقارئ في أي ترجمة أخرى، أن يتجاهل معنى عبارة ”ِشِبْهِ مَوْتِهِ“، فالمعمودية هي ’شبه‘ موت المسيح، وليست الموت الفعلي’معه‘ أو’فيه‘ على الصليب!
  • عندما تُقتطع عبارة ”مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ..“ من سياقها لتُبنى عليها عقيدة، أو بالأحرى لمحاولة هدم عقيدة, فإن الموقف يثير الأسى ويستدعي الرثاء لما انتهت به الأمور عند ذلك المفسر؛ فالنص المتصل والكامل للآية على لسان بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية يقول: ”مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي“ (غلاطية2: 20).. ولا يمكننا أن نتصور أن بولس الرسول كان يقصد أنه صلب معه على جبل الجلجثة عندما قال: ”مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ“!! ففي ذلك الوقت لم يكن بولس الرسول مؤمنا، بل كما قال عن نفسه: ”أنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفاً وَمُضْطَهِداً وَمُفْتَرِياً. وَلَكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْلٍ فِي عَدَمِ إيمَانٍ“ (تيموثاوس الأولى1: 13).. بل إننا نلاحظ أن بولس الرسول في هذا الجزء من رسالته إلى غلاطية كان يتكلم وقتذاك عن أنه قد تبرر بالإيمان وليس بالناموس، وهذا ما نراه بوضوح من تكملة كلماته في نفس الآية عندما يقول: ”الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ.. إِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ“ (غلاطية2: 20).. ومرة أخرى: ما أخطر استخدام آيات الكتاب في غير موضعها!
(ثانيا): عندما يتم الخلط بين الصليب والمعمودية على هذا النحو, فإننا نقول لأصحاب ذلك الخلط: إن كنا – كما يقول ذلك التعليم الغريب – قد متنا مع المسيح على الصليب، إذ ’كنا فيه‘ و’صلبنا معه‘ كما ترددون.. فما هو لزوم المعمودية إذن؟ هل هي إعادة للموت والصلب؟.. أما إن كنا قد متنا معه في المعمودية، وصُلِب إنساننا العتيق في المعمودية – كما يقول بذلك إيماننا السليم – فمعنى ذلك أننا لا نكون قد متنا قبلا ’على الصليب معه‘ أو ’فيه‘، وإلاّ نكون قد متنا مرتين وصلبنا مرتين!!.. ولذلك أيضا فإن الرسول مع عبارة ”مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ“ المذكورة في رومية 6 يستخدم عبارة ”بِشِبْهِ مَوْتِهِ“.
(ثالثا): عندما يسمع أحد تلك العبارات الغريبة مثل: ’مات بجسدنا، بدمنا ولحمنا‘ و ’أخذ جسد بشريتنا‘, فيتساءل: هل تم الفداء على الصليب بدم المسيح وحده، أم بدمنا كلنا؟! وهل جسد الذي صلب على الصليب هو جسده هو أم جسدنا نحن؟!.. نلجأ لكتابنا المقدس: هوذا الكتاب بكامله يركز على دم المسيح وحده, ويخلو تماما من مثل تلك العبارات والكلمات الغريبة، بل بالعكس نجد عبارات وكلمات مثل: ’كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ‘بِدَمِهِ‘ ’بِدَمِ صَلِيبِهِ‘ ’جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ‘ (أما عبارة دمنا ولحمنا وجسدنا، فلا وجود لها)!!.
  • أعمال الرسل 20: 28 ”كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ“.
  • رومية 5: 9 ”وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ“.
  • أفسس 1: 7 ”الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا“.
  • كولوسي 1: 14 ”الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا“.
  • كولوسي 1: 20 ”عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ..“.
  • كولوسي 1: 21-23 ”قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ، فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ“.
  • بطرس الأولى 1: 19 ”بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ“.
  • يوحنا الأولى 1: 7 ”وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ“.
  • رؤيا 1: 5 ”قَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ“.
  • إشعياء63: 3 ”قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ“.. (مات وحده عنا، ولم يكن معه أحد!)
(رابعا): فضلا عن كون فكرة الموت مع المسيح على صليب الجلجثة فكرة غريبة لا يسندها نصٌّ كتابي أو منطق عقلاني، فإن قراءتنا لآيات كثيرة أخرى بالكتاب تستبعدها تماما:
  • مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ..“ (رومية 8: 36) 
  • حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ..“ (كورنثوس الثانية 4: 10)
  • نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِماً لِلْمَوْتِ..“(كورنثوس الثانية 4: 11)
  • الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ“ (غلاطية 5: 24)  
  • إِذن إنْ كُنْتُمْ قَدْ مُتُّمْ مَعَ الْمَسِيحِ عَنْ أرْكَانِ الْعَالَمِ، فَلِمَاذَا كَأَنَّكُمْ عَائِشُونَ فِي الْعَالَمِ“ (كولوسي 2: 20)
والواضح أن هذه العبارات لا تعني مطلقا الموت معه على الصليب.. لأن كلمات ’كُلَّ النَّهَارِ‘ و ’كُلَّ حِينٍ‘ و ’دَائِماً‘ لا تنطبق على موت الصليب، إنما تؤخذ كلها بالمعنى الروحي من جهة التعرض للألم بسبب الإيمان المسيحي، أو الإماتات في الجهاد الروحي.. كذلك الأمر في ’صلب الجسد مع الأهواء‘، أو ’الموت عن أركان العالم‘.