إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بينما يبحث علماء اللاهوت فى هذه الأمور العويصة يكون كثير من البسطاء تسللوا داخلين إلى ملكوت الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

الصوم الأربعيني ومواجهة النفس PDF Print Email
DATE_FORMAT_LC2

قدسوا صوماً نادوا باعتكاف

كثير من الناس يقولون لماذا نصوم؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال ، نذهب إلى الطبيعة، إن الأمثلة المستوحاة من الطبيعة تساعدنا على توضيح الأمور الروحية. فعندما نذهب إلى الحقل، ونجد أنه يتم تقليم الأشجار في هذا الموسم، وذلك حتى يتم التخلص من الأغصان غير الجيدة، وحينئذ تنمو البراعم بشكل جيد لتستعد لفترة الإثمار. وهكذا نحن بحاجة إلى تقليم، ولكن من نوع آخر وهو الصيام إذ أننا بالصيام نتوقف فقط عن تناول بعض المأكولات، ولكن ننزع ونميت كل قول أو فعل أو فكر يبعدنا عن الرب يسوع المسيح، وبعدها نتقوى مستعينين بالصلاة، وكلاهما يساعدان على نمو براعم الإيمان، لذا يقول القديس باسيليوس: "إن الصوم الحقيقي هو سجن الرذائل، أعني ضبط اللسان، وإمساك الغضب وقهر الشهوات الدنسة".

هذا هو الصيام ليس فقط حرمان المعدة من الطعام والشراب، وإنما هو وسيلة تشدد عزمنا على السير في طريق الصليب مع الحبيب متحملين الجوع والعطش لنذوق مرارة الآلام التي تجرعها الحبيب من أجلنا، هذه المرارة التي تنقلنا رويداً رويداً إلى الفرح الحقيقي، فرح قيامة الرب يسوع في قلب كل منا.

الصوم بمفهومه الخاص، هو الامتناع عن الطعام فترة معينة، يتناول الصائم بعدها أطعمة خالية من الدسم الحيواني.. لكن للصوم مفهوماً عاماً عند الآباء القديسيـن. فهو في رأيهم يشتمل على كل صنوف التقشف والنسك وقمع الأهواء والشهـوات الجسديـة. قال القديس يوحنا: "صوم الجسد هو الجوع من الغذاء والبعد عن المأكولات، النسك من الدسم، وصوم النفس هو أن يجوع الإنسان ويعطش للبر، ويصوم عن التدابير الرديئة وعن الاهتمام بها، وعن ذكر الرذائل".. وقال بولس الرسول: "كل من يجاهد يضبط نفسه عن كل شيء... أقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً (1كو 25:9 ). 

إن الصوم موسم اعتكاف والتقاء مع اللـه، رسمته الكنيسة تشبهاً بالرب يسوع عندما رجع من الأردن بعد العماد ودخل البـرية وحده في عزلة كاملة عن العالم أربعين يوماً يصلي مجاهداً ضد الشيطان، وفي أثناء هذه المدة لم يأكل شيئاً.

قال سليمان الحكيم: "باطل الأباطيل الكل باطـل" (جامعة 2:1)، والملك داود رنم: "إنما يسلك الإنسان في الظل، باطلاً يعجون" (مز 7:38).. حقاً إن الذين يحبون الأشياءٍ الباطلة يعجون، والذين يحرصون على المال وغيره سرعان ما يزولون ولا يقدرون أن يأخذوا معهم شيئاً من حطام الدنيا، ولذلك لا يرتاحون. سنترك كل شيء هنا ونذهب عراة كما خلقنا، سنذهب إلى الأبدية، إلى الوقوف أمام الديان العادل، سننتقل إلى الحياة الآتية، عراة بكآبة قلب، وبانسحاق النفس، وبرعدة وخوف، وبالتنهدات العميقة، نقف أمام المحكمة المخيفة حيث لا محاباة، ولا شفاعة ولا دفاع، حيث يتحتم على كل منا أن يؤدي الحساب عن أعماله وأقواله وأفكاره.

حقاً ! أيها الأخوة سيكون خوف ورهبة لم يسبق مثيلهما منذ بدء العالم، كل ما في السموات وما تحتها يظهر. وكل من على الأرض ومن فيهاٍ يهتز ويرتجف. القبور تفتح والأموات تنهض، والأحياء تنتصب. وإذا كان نبي اللـه دانيال قد ارتعد خوفاً لما رأى الدينونة الآتية فماذا يحدث لنا نحن، عندما نقف جميعاً للدينونة الرهيبة مثقلين بخطايـانا؟ أيـن ٍالأصدقـاء والأقرباء حينئذ ؟ أيـن الذخائر الغالية الثمن؟ أين أولئك الذين ازدروا الفقراء وطردوا الأيتام والبؤساء ونسبوا كل حسنة لنفوسهم مدعين أنهم المتقون المفضلون؟ أين أولئك الذين لم يكن خوف اللـه في قلوبهم ولم يؤمنوا بالعذاب الآتي ووعدوا أنفسهم بالخلود على الأرض؟ أين أولئك القائلون: " لنـأكل ونشـرب لأننا غـداً نمـوت " (إشعياء 13:22)

في الواقع إن الكنيسة تقدم لنا في هذا الموسم المقدَّس الجو الروحي اللازم والمناسب جداً بالقراءات والألحان والعظات للدخول في مثل هذا الاعتكاف الداخلي والاعتزال القلبي عن العالم لنلتقي أولاً مع أنفسنا ثم مع اللـه.

كيف نلتقي مع أنفسنا:

من العسير جداً على أي إنسان أن يلتقي مع نفسه في مواجهة داخلية كاشفة طالما هو يمارس حياته اليومية الروتينية من أكل حتى الامتلاء وحديث لا يهدأ وانشغالات جانبية تافهة وتسالي وتلفزيون وأفلام وفُسح ونوم وزيارات. لذلك أصبح اختزال كل ما هو غير هام أمراً ضرورياً في الصوم المقدس حتى تتهيأ لنا الفرصة للاعتكاف الداخلي.

ستواجهنا صعوبة حتمية عند البدء في تقليل الأكل أو تقليل الكلام، أو تقليل الخروج من البيت أو تقليل ساعات النوم. ولكن يلزمنا جداً أن ندرك من البدء أن هذه الصعوبة مرجعها هو إلى رغبة النفس الشديدة في الهروب من الاعتكاف خوفاً من مواجهة حقيقتها الخاطئة، ورغبة منها في الاستمرار في انحلالها وتلذذها بالخطايا. وهذا أمر يحتاج إلى صرامة وحزم شديد وانتباه للأعذار الواهية والكاذبة التي ستخلقها باستمرار للهروب من الاعتكاف والصوم.

فإذا نجح الإنسان في التغلب على عاداته ثم نجح في السلوك بصرامة وحزم وانتباه تجاه أعذار النفس ومراوغتها واستطاع أن يوفر لنفسه فرصاً للهدوء والاعتكاف والصلاة يكون قد نجح فعلاً في الدخول في بركات الأربعين المقدسة وتهيأ لكي يجني ثمارها. وثمار الاعتكاف ومواجهة النفس كثيرة، وأهمها اثنتان: 

الثمرة الأولى :

اكتشاف مـدى الخسارة التي أصابتنا بسبب التواني والإهمال والكسل في الحياة الروحية الناتج من عدم جدة نظرتنـا للحياة، والناتج أيضاً مـن الهروب من فـرص الاعتكاف والصلاة. وسوف نتحقق بأنفسنا ـ وبدون واعـظ ـ كيف أن التواني والكسل والإهمال وهروب النفس من الاعتكاف أفسدت حياتنا وضيَّعت علينا فرصاً كثيرة للنمو الروحي بل وأوقعتنا في انحلال وخطية، وجعلت حياتنا في فتور.

ولكن أخطر ما ينتج عن التواني والإهمال في الصلاة والكسل الروحي الذي يصيب القلب ويبلّد الذهن هو التوهم الخاطئ الذي يصيب فكر الإنسان وإرادته فيعتقد أنه غير قادر على تغيير نفسه وأن لا فائدة من محاولاته. لأن الإهمال والكسل يتسّرب إلى كل محاولة للتغيير والتجديد فيبطلها.

لذلك، فإن اكتشاف حالة التواني والإهمال والكسل عند بدء الاعتكاف ومواجهة النفس وتفتيشها يعتبر من أعظم أعمال الاعتكاف ومن أشهى ثمرات الصوم المقدس، وهو بمثابة قلع الجذر المسموم الذي يغذّي الحياة الروحية بالاستهتار أولاً بأول ويمدها بفقدان الثقة بالنفس وباللـه، والذي يوقف جهاد الإنسان شيئاً فشيئاً كلما تقدمت به الأيام حتى يوصله إلى اليأس، أما اليأس الذي ينتهي إليه التواني والإهمال والكسل فهو مجال الشيطان الذي يعبث فيه ويصول ويجول ليبدد كل رجاء الإنسان وخلاصه.

الثمرة الثانية:

اكتشاف مدى الخطأ والانحراف الذي أصاب الهدف الروحي الذي نعيش له. لأن أي انحراف في الهدف الذي نسير نحوه من شأنه أن يعرقل مسيرتنا ويلقينا في مشاكل وارتباكات وأوهام كفيلة أن تجعل طريقنا في النهاية مسدوداً بالرغم من مظاهر النجاحات التي نظهر بها أمام الناس. لأن بقدر وضوح الهدف تكون بالتالي سهولة المسير نحوه! وبقدر الأمانة والإخلاص لهدفنا تكون ثقتنا ويكون رجاؤنا وتكون شجاعتنا وتكون قوّتنا!

ونحن لا نملك، ويستحيل أن نملك، هدفاً صحيحاً سوى المسيح نفسه، المسيح هو هدفنا الذي نعيش له ونموت له، كما يقول إشعياء النبي (9:26) "إلى اسمك وإلى ذكرك شهوة النفس. بنفسي أشتهيك في الليل، وبروحي في داخلي إليك أبكّر"، فإذا لم يكن المسيح نفسه هو هدف حياتنا بكل وضوح وأمانة وإخلاص القلب والنية، فإن العالم سيكون هدفنا، وستكون الذات وعظمتها وكبرياؤها هي هدفنا، وستكون الأرصدة المالية هدفنا، وسيكون مديح الناس هدفنا، وحينئذ ستكون المسيرة مفضوحة والطريق معوّجة، وسوف أكتشف أن إرادتي أصبحت أهم عندي من إرادة اللـه ومشيئتي قبل مشيئة اللـه، وحيث لا يعود اللـه هو شهوتي، بل شهوتي تكون في كرامتي وقوتي ومالي! ولا تعود نفسي تستسيغ أن تخضع لعبيد اللـه أو أن أستعبد ذاتي لخلاص الآخرين، بل على النقيض أستعبد كل شيء لذاتي.. لأن المسيح كهدف لم يعد موجوداً بل نفسي!

فإذا اكتشفنا مدى الانحراف والخطأ الذي أصاب هدف حياتنا، نكون قد حصدنا الثمرة الثانية للاعتكاف وهي ثمرة عزيزة جداً لا تقدر بثمن لأنها ستقنعنا بتغيير الحياة مهما كلفنا الأمر، بل وإذا لزم الأمر نرفضها وننبذها غير آسفين على نجاحها الظاهري الكاذب كما نبذ القديس إسحق أسقفية نينوى العظمى، وغيره من الآباء القديسين الأطهار الذين فضَّلوا كهوف الأرض على قصور الملوك عند لحظة اكتشاف ضياع الهدف وانطرحوا في عمق البراري معتكفين متوحدين فصاروا خلاصاً لأنفسهم ولمئات الآلاف على مدى الأجيال.

فدونكم جهاد الصيام المقدس أيها المؤمنون، هذه الفرصة المواتية للتسابق في ميدان الفضيلة والحياة الظليلة، والتنافس في مضمار المثل العليا والقيم الخلقية الرفيعة باتضاع.

بارك اللـه لكم في صومكم وصلواتكم وعبادتكم وصدقاتكم وأعانكم على مقارعة الأهواء النفسية والجسدية، وبلغكّم بالسلامة إلى ميناء العشاء السريّ وأفراح القيامة، ووفقكم للحظوة بمجده السرمدي، في السماء، مع الصائمين التائبين بنعمته رب المجد. آمين