إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

القلب والفكر يعملان معاً كل منهما سبب ونتيجة مشاعر القلب تسبب أفكاراً فى العقل والأفكار تسبب المشاعر فى القلب

البابا الأنبا شنوده الثالث

ماذا لو لم تكن قيامة؟! PDF Print Email
DATE_FORMAT_LC2

تصنيف: البابا شنوده الثالث | القيامة | مقالات روحيه

لقداسة البابا شنوده الثالث

لكي ندرك أهمية القيامة ولزومها. علينا أن نتخيل هذا السؤال ماذا كان سيحدث لو لم تكن هناك قيامة؟ ونري نتائجه الخطيرة..!

لو لم تكن قيامة لكان مصير الإنسان إلي الفناء، ولأصبح الإنسان كالحيوان الذي يموت وينتهي تماماً ولا يعود إلي الوجود، حينئذ كنا سنسأل: ما هي إذن الميزة التي يتميز بها هذا الكائن البشري العاقل الناطق، الذي وهبه الله العلم وموهبة التفكير والاختراع، والقدرة علي صنع مركبات الفضاء التي توصله إلي القمر وإلي المريخ وتدور به حول الأرض وترجعه إليها سالماً وحاصلاً علي صور ومعلومات.. هذا الإنسان الذي قام بمخترعات أخري مذهلة كالكمبيوتر والفاكس وال Mobile Phone وغيرها..

هل يعقل أن هذا الإنسان العجيب الذي سلّطه الله علي نواحي عديدة من الطبيعة. يؤول جسده إلي مصير كمصير بهيمة أو حشرة أو بعض الهوام؟! إن العقل لا يصدق هذا..! وإلا فلماذا خلقه الله بهذا الوعي، ومنحه كل هذه المواهب؟! – وهو الوحيد الذي ائتمنه الله علي الوحي، وأرسل له الأنبياء، وصنع معه المعجزات – إن كان مصيره ينتهي إلي الفناء، وحفنة من تراب!! وهذا لا يتفق أيضاً مع وعود الله له بالحياة الأبدية. وبالسماء..! 

ولو لم تكن قيامة، لكان جسد الإنسان لا يتميز عن جميع المخلوقات الأخرى ذوات الأجساد، بينما هو يستطيع بما وهبه الله أن يسيطر عليها جميعاً، وأن يقوم لبعضها بواجب الرعاية والاهتمام إن أراد، وأن يقوم علي البعض الآخر بحق السيطرة والاستخدام.. فإن لم تكن هناك قيامة، وأصبح مصير جسده كمصير باقي تلك الكائنات غير العاقلة، إذن لزالت كرامة هذا البشري السيد الذي سلطه الله علي غيره من الكائنات الجسدية..! 

لو لم تكن قيامة. لضاعت المسئولية الضميرية وخشية الحساب الأخير.. فمن المعروف أن الإنسان حينما يقوم من الموت، يقف أمام منبر الله العادل ليعطي حساباً عن كل ما فعله بالجسد خيراً كان أم شراً.. يعطي حساباً ليس فقط عن أعماله، إنما أيضاً عن نياته وأفكاره ومشاعره الداخلية؛ ومادام سيقوم، فإنه لذلك يحيا حياة التدقيق والحرص.. حياة البر والفضيلة التي يقف بها أمام الله في يوم الدين بلا خوف، وأمام الناس بلا خجل. فإن لم تكن قيامة، ولم يكن حساب ولا خوف ولا خجل، إذن علي رأي المثل "من لا يستحي. فليفعل ما يشاء"!!.. إذن لو لم تكن قيامة. لانتشر الفساد، وانتشرت الأبيقورية التي تقول "لنأكل ونشرب، فإننا غداً نموت"! إذن لتهالك الناس علي ملاذ الناس وعلي شهواتها، مع السعي إلي المادة بكل قوة ولهفة..! ولو لم تكن قيامة. لسادت في العالم شريعة الغاب، وأكل الناس بعضهم بعضاً، واستبد القوي بالضعيف، وساد الظلم والقسوة..! بل لانعدمت المبادئ والقيم أو قلَّ شأنها وتأثيرها إلي حد بعيد..! 

لو لم تكن قيامة. لأصبح الموت رعباً. وزالت الشجاعة والتضحية!! حالياً، لا يخاف الشجعان الموت علي رجاء القيامة، ويتقدم الشهداء إلي الموت غير هيابين، لأنهم يعرفون أن الموت ليس هو نهاية حياتهم، بل يرونه باباً مفتوحاً لحياة في الأبدية لا تنتهي.. كذلك أي إنسان يموت يكون له عزاء في الحياة الأخرى، وبهذا يمكن أن يتقبل الموت بغير جزع.. أما إن لم تكن هناك قيامة وحياة بعد الموت، فان الموت يكون مخيفا إذ يمثل نهاية ومأساة؛ وهذا ما كان يحدث للملحدين وللطوائف التي تنكر القيامة والروح كالصدوقيين مثلاً. 

إن لم تكن هناك قيامة، فإن موت أحبائنا وأصدقائنا وأقاربنا يكون سبب حزن شديد جداً لنا لا عزاء فيه.. إن عزاءنا في موت أحبائنا هو أننا سنراهم في العالم الآخر؛ ونقول للرب في صلواتنا "إنه ليس موتاً لعبيدك. بل هو انتقال". لذلك نقيم لهؤلاء الراحلين عنا تذكارات في مناسبات عديدة، ونثق أنهم سيقومون في اليوم الأخير وسنراهم وتستمر علاقتنا بهم.. نفس الكلام نقوله عمن نعجب بهم من أصحاب المواهب ومن مشاهير الناس الذين عاشرناهم، ولهم في قلوبنا صلة تقدير.. فإن لم تكن قيامة، سنحزن جداً إذ تنقطع صلتنا بكل التاريخ الذي عاصرناه والذي سمعنا عنه، وأيضاً تنقطع صلة هذا التاريخ بنا..! أما الإيمان بالقيامة فقدم للبشرية رجاء أوسع من هذا: ليس فقط في تلاقي الأحباء والأصدقاء، وإنما أيضاً في تلاقي الأجيال كلها، حيث يلتقي الناس هناك في السماء مع أبينا آدم وأبينا نوح وأبينا إبراهيم وسائر الأنبياء، ومع جميع الأبرار في جميع العصور.. ستلتقي الأجيال كلها هناك في القيامة.. وإن لم تكن قيامة، لا يكون مثل هذا اللقاء المفرح للنفوس، ولعاش الناس في جيل محدود، وفي زمن محدود لا يتعدونه، ولانقطعت صلتنا جميعاً بالأبرار وشفاعتهم. 

وإن لم تكن قيامة، إذن سوف لا تكون لنا صلة بالسماء وسكانها.. ولا أقصد بالسماء هذه التي نراها بأعيننا، إنما أقصد السماء التي يسكنها الملائكة والتي هي عرش الله.. هذه التي لنا أمل فيها بالقيامة والحياة الأخرى، حيث نعيش في السماء بعد القيامة. 

فإن لم تكن قيامة، سنحرم من السماء ومن الملائكة وكل الطغمات السمائية، ويكون حديثنا الآن عن كل هؤلاء حديثاً نظرياً، وكذلك يكون حديثنا عن النعيم الأبدي، وعما لم تره عين ولم تسمع به أذن وما لم يخطر علي قلب بشر.. أيكون هذا أيضاً كأنه أحلام أو أوهام؟! وان لم تكن هناك قيامة ولا سماء. فما معني أن الأبرار بعمل الخير يكنزون لهم كنوزاً في السماء، تُحفظ لهم حين يصلون إليها؟!

وإن لم تكن قيامة، فسنُحرم من الحياة المثالية التي في الأبدية.. نحُرم من ذلك الجو الروحي الذي هناك، حيث لا خطيئة ولا فساد ولا مؤامرات ولا انقسامات ولا شيء من الأخطاء التي في عالمنا.. وأيضاً حيث لا تعب ولا ضيق ولا مرض ولا حزن ولا بكاء.. بل الجو الذي يسوده السلام والألفة والحب.. هذا الأمر الذي نشتهيه ونترجاه، ونحلم أن نراه في العالم الآخر.. هل سنُحرم من هذا كله؟!.. وهل سنحرم من الحياة المتجانسة في العالم الآخر، التي فيها البشرية كلها معاً بكل أجناسها، بلغة واحدة يتفاهمون تلقائياً بغير حاجة إلي مترجم، وكلهم بفهم واحد ومفاهيم واحدة، حيث تبطل الألسنة واللغات التي تميز مجموعة عن أخري؟!.. هل سنحرم من هذا الجو، إن لم تكن قيامة؟! 

لو لم تكن قيامة. لما كان هناك تعويض للذين عاشوا حياة مؤلمة أو حياة بائسة علي الأرض! نذكر من بين هؤلاء المعوقين جسديا، كالعُرج والكسح، والصم البكم، وأصحاب الأمراض المستعصية التي كلها ألم.. أولئك الذين كانوا يأملون في حياة بعد الموت، ينقذهم الرب فيها من عاهاتهم ومن آلامهم الجسدية والنفسية.. أيحتمل هؤلاء الألم إن لم تكن هناك قيامة؟!.. وكذلك هل يعيش المكفوفون في عمى على الأرض، دون أي أمل في أن يرد الله لهم البصيرة في حياة أخري، إن لم تكن هناك قيامة؟!.. وأيضا الذين عاشوا في فقر وعوز، أو في وظائف محتقرة، أو كانوا خداما أو عبيداً لغيرهم، أو تحت معاملة قاسية ممن لهم عليهم رئاسة أو سيادة.. الذين قاسوا في حياتهم الظلم والإهانة أو التشريد والسبي وأمثال هؤلاء.. هل لا يأملون إطلاقا أن يرد الله اعتبارهم في العالم الآخر، إن لم تكن هناك قيامة وعالم آخر؟؟! 

إن عدم وجود قيامة يوجد إحباطا ويأسا عند كل تلك الأمثلة من الناس، وإن لم يكن هناك عدل ومساواة في هذه الحياة الأرضية، فكيف لا يوجد بعد الموت لون من التعويض؟! 

وإن لم تكن هناك قيامة، إذن لا تكون هناك مكافأة للأبرار الذين جاهدوا من أجل حياة الفضيلة علي الأرض.. أولئك الذين عملوا الخير في الخفاء، وحرموا أنفسهم بسبب تفانيهم في فضيلة العطاء، وجاهدوا من أجل البعد عن كل إغراء، وواظبوا بكل حرص علي الصلاة والصوم، وبعضهم عاش في نسك وزهد رافضين متع الجسد من أجل المتع التي يتمتعون بها بالروح في السماء، وعاشوا في حياة الاحتمال والصبر وضبط النفس ومكافحة الشهوات.. هل كل هؤلاء لا تكون لهم مكافأة في حياة أخري، ثوابا من الله عن كل تعبهم وجهادهم الروحي علي الأرض؟! بل يتساوون مع الأشرار الذين نهبوا الأرض نهبا، وتهالكوا علي الشهوات، وعاشوا بكل فساد في حياتهم الأرضية، دون أية عقوبة، مادام الموت قد ساوي بين الكل، ولا قيامة؟!!.. أي عدل يكون هذا؟! وهل يقول الأبرار إذن في أنفسهم: قد خدعنا الأنبياء بحديثهم عن الجنة والنار، وعن الثواب والعقاب؟!! حاشا لله أن يكون هذا، ويتساوي البار والأثيم، ويضيع أجر من أحسن عملا..! 

وإن لم تكن قيامة، ألا يكون هذا ضد الإيمان؟!! وأيضا ضد وعود الله! وضد الوحي الإلهي؟! وضد الدعوة إلى التضحية وبذل الذات؟! وضد كل ما تعلمناه عن السماء والحياة الأبدية؟! وعن النعيم والجحيم؟! وضد الصلة بين سكان السماء وسكان الأرض؟!.. إذن لابد أن تكون قيامة.. ولابد أن يكون حساب.. وأن يكون هناك ثواب وعقاب.. فالدين يقتضي هذا.. وأيضا العقل والمنطق يلزمنا أن نؤمن بهذا.. 

ومادامت القيامة عقيدة وضرورة، فينبغي أن نستعد لها، عارفين أن حياتنا الأرضية - مهما طالت – لا تُعَدُّ شيئا إلى جوار الحياة الأبدية التي لانهاية لها والتي هي المصير الحقيقي لجميعنا.. فلنستعد للأبدية بعمل الخير في كل مكان، ومع كل أحد لأن كل خير نعمله هنا، سنلقى جزاءه هناك في السماء أضعافا مضاعفة.. ولنبعد عن كل شر وشبه شر لأن الخطيئة تبعدنا عن الله وعن ملائكته وعن السماء وكل سكانها من أرواح الأبرار.. ولنفرح بأن الله قد أعد لنا حياة بعد الموت يستمر فيها وجودنا فلا يقتصر علي هذه الحياة الأرضية المحدودة التي تشوبها آلام وضيقات، ولنشكر الله الذي أعد لنا نعيما أبديا. أسمى من كل ما رأيناه في أفراح الأرض الزائلة ومتعها التافهة..