إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الحرية الحقيقية هى أن يتحرر الإنسان من الأخطاء

البابا الأنبا شنوده الثالث

عيد الرسل الأطهار PDF Print Email
DATE_FORMAT_LC2

تصنيف: القس بنيامين مرجان | عيد الرسل | مقالات روحيه

 للقمص بنيامين مرجان

نحتفل في الثاني عشر من هذا الشهر (12 يوليه - 5 أبيب) بعيد آبائنا الرسل وهو اليوم الذي استشهد فيه أبونا القديس بطرس ومعلمنا القديس بولس في روما على يد نيرون الطاغية.

وكان القديس بطرس قد استؤمن على إنجيل الختان، والقديس بولس على إنجيل الأمم (غل 7:2).كان القديس بطرس يهودياً يحمل البشارة إلى بني جنسه من اليهود. أما القديس بولس فكان يهودياً فريسياً حمل البشارة بالإنجيل إلى العالم الأممي الوثني. فقد اختارته النعمة ليكون لها إناءً مختاراً يحمل اسم المسيح إلى الأمم بعيداً (أع 15:9)، وكما أهلته النعمة لهذه المهمة الجبارة، كانت شخصيته أيضاً مهيأة لهذا العمل ذات مواهب متعددة وأبعاد إنسانية عميقة انسكب فيها فيض الروح القدس فأغناها بغناه الإلهي.. يشدنا بقوة شخص القديس بولس لنخطف لمحات سريعة من شخصيته المباركة كمن يبهر عيونهم النور القوي فلا يلاحظون سوى إشاعات خاطفة منه على قدر ما تحتمل عيونهم وقدرتهم على الرؤية.

القديس بولس "عبد ليسوع المسيح":

من الألقاب المحببة جداً لقلب بولس الرسول يطلقه على نفسه باستمرار لقب "عبد"، "بولس عبد ليسوع المسيح" (رو 1:1)، وهذا لا يدل فقط على تواضع قلب الرسول ولكن بالأكثر على طبيعة حياته الجديدة "في المسيح يسوع" الذي آمن به وأحبه، وكلمة عبد" التي استخدمها الرسول في أصلها اليوناني تحمل معان متعددة فهي تشير إلى ذلك العبد الذي ارتبط بسيده مدى العمر بربط قوية لا يمكن أن ينفصلا إلا بالموت، وكان الرسول يدرك أن المسيح مات وقام ولا يسود عليه الموت بعد (رو 9:6)، وأنه هو نفسه له الحياة هي المسيح والموت ربح (في 21:1) فأنَّى لهذه العلاقة أن تنفصم؟ إنها علاقة أبدية، علاقة مديونية بالحياة كلها لذلك السيد المحبوب الذي فدى نفسه من الموت ونقله من الظلمة إلى النور. وهى تشير أيضاً إلى العبد الذي لم تعد له إرادة خاصة منفصلة عن إرادة سيده. إنما إرادته اتحدت وذابت في إرادة السيد الذي اشتراه فأصبح يعيش لأجل تنفيذ مشيئته. هكذا عاش القديس بولس مكرساً حياته للمسيح مستعبداً نفسه له في طاعة كاملة "أنتم عبيد للذي تطيعونه إما للخطية للموت أو للطاعة للبر" (رو 16:6)، وليس ذلك فقط بل إنه قد أستعبد نفسه لكل إنسان لكي يربحه للمسيح الذي أحبه؛ يقول: "فإني إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين" (1كو 19:9)، كان الرسول يحس أنه مديون بحياته للمسيح وهذا الدين جعله مديوناً لأولاده بحبهم ويجتذبهم إليه يحمل لهم بشرى الإنجيل الذي أمن به وانتقل فيه من الظلمة إلى النور "فإني مديون لليونانيين والبرابرة للحكماء والجهلاء" (رو 14:1).

لم يستعف الرسول يوماً من الكرازة والخدمة، إذ كان يعتبر نفسه مسخراً لهذا العمل ليس له فيه فضل إنما هو سداد دين، كان مديوناً للمسيح بحياته يسكبها سكيبا محبة لأجل الآخرين: "فإني الآن أُسكَب سكيباً. ووقت انحلالي قد حضر" (2تى 6:4).

القديس بولس "مثال" لنوال الخلاص :

"المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا، لكنني لهذا رُحمت، ليظهر يسوع المسيح فيَّ أنا أولاً كل أناة، مثالاً للعتيدين أن يؤمنوا به للحياة الأبدية" (1تى 16:1).

هنا سر قوة وعظمة كرازة بولس، إنه هو نفسه كان مثالاً لأناة وخلاص ابن الله، لم يكن بولس يكرز بإنجيل خارجاً عنه أو منفصلاً عن حياته نفسها، لقد اختبر بولس الحياة حسب الجسد حين عاش فريسياً تحت الناموس، ثم اختير في يوم فريد على أبواب دمشق قوة الدم، دم المسيح للتبرير، هكذا كان أيسر على بولس أن يموت من أن يعطل أحد فخره بالإنجيل "لأني لست أستحي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن" (رو 16:1).

اختبار بولس لفعل الصليب وقوة الدم المنسكب عليه هو سر قوة واستمرارية الخدمة. كان بولس يكرز بمسيح يعرفه بخلاص تذوقه، بدم تطهر به، بحياة دخل إليها ويعيش فيها. لذلك كان الإنجيل هو سر حياته وقوته. وكان موضوعاً لحمايته والكرازة به؛ فانطلق بلا عائق بقوة الروح الساكن فيه.

في حياة كل رجل من رجال الله الذين خدموه كان هذا الاختبار هو مدخله للتكريس القلبي والشهادة. كان لابد من هذه المواجهة بينه وبين الله ليدرك فيها نفسه ويدرك محبة الله.

هذا الكشف الإلهي، وهذا الاستعلان الواضح لعمل الله في حياة الإنسان، هو نقطة البدء في الكرازة والخدمة.

القديس بولس معلم الخلاص :

لا يوجد على امتداد الكتاب المقدس كله من انكشف له سر محبة الله للإنسان وسر تدبير الخلاص بصورة كاملة وعميقة مثلما انكشف للقديس بولس: "قد سمعتم بتدبير نعمة الله المعطاة لي لأجلكم. إنه بإعلان عرفني بالسر كما سبقت فكتبت بالإيجاز الذي بحسبه حينما تقرؤونه تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح" (أف 2:3،3).

كان بولس يدرك أنه أعطي هذه النعمة أن يبشر بين الأمم "بغنى المسيح الذي لا يستقصى" وأن ينير الجميع فيما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح (أف 8:3،9).

كان بولس الرسول يحكم تربيته الفريسية دارساً مدققاً للناموس وأسفار العهد القديم. وقد استوعبها تماماً ودرس كل حروفها ونقاطها: "أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية ولكنى ربيت في هذه المدينة مؤدباً عند رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي وكنت غيوراً لله" (أع 3:22).

ولكن في "نور المسيح" كان للناموس والأسفار معنى آخر جديداً.. في نور معرفة المسيح صار كل شيء جديداً، عاد بولس بمصباح الروح القدس يجوس الأسفار الإلهية يستقرئ من جديد ما تعلمه ليجده يشير كله إلى المسيح المخلص.

كان بولس معلماً لاهوتياً بارعاً تأصل لاهوته على جذور كتابية، يستعمق "سر المسيح" في الينابيع الأولى، فلم يكن مثله من استخدم أسفار العهد القديم في استجلاء نور المسيح - كانت القشور التي سقطت عن عينيه وأبصر، هي البرقع الذي كان يحجب عنه نور المسيح.

أعلن بولس بعمق ووضوح سر التبرير.. سر الخلاص المجاني بدم المسيح، قاوم جداً بر الذات وبر الناموس وصار بلا منازع المعلم اللاهوتي الأول عن التبرير، ليس بطريقة عقلية نظرية كمن يقدم كلمات وحروف وإنما بطريقة عملية اختباريه كرست قلبه وعقله وكيانه كله للمسيح الذي غسله من خطاياه وجعله إنسانا ممتازاً.

لقد أحب بولس المسيح بإخلاص، فانسكبت في قلبه أسرار تدبير الله متعلماً من الروح القدس غنى مجد المسيح.. وكما كان معلماً لاهوتياً كان أيضاً مربياً ومهذباً لأولاده، لسلوكهم وحياتهم، فكان اللاهوت عنده أساس الحياة والسلوك أو مجال تطبيق واختبار .. ويضيق المجال هنا عن حصر الموضوعات اللاهوتية التي عالجها بولس في رسائله، فقد تحدث عن الروح القدس، وعن الكنيسة والأسرار وعن الدينونة والمجيء الثاني وقيامة الأجساد - الخ.

يا قديسنا العظيم.. صلَّ عنا لنوهب روحك وخدمتك وكرازتك، صلَّ عنا لدى ربنا يسوع المسيح لكي يعطينا حسب غنى مجده أن نتأيد بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحل المسيح بالإيمان في قلوبنا، لكي نتأصل ونتأسس في المحبة، حتى نستطيع أن ندرك مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ونعرف محبة المسيح الفائقة المعرفة.. لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله (أف 13:3-18).