إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

اِقبَلْ ذاتك كما هي PDF Print Email
DATE_FORMAT_LC2

تصنيف: اِقبَلْ ذاتك | د. عادل حليم | مقالات اجتماعيه

د. عادل حليم

كثيراً ما يشعر الفرد برفض الذات والسخط عليها، نتيجة اكتشافه المستمر لعيوبه الشخصية، خاصة وأن بعضها قابل للتصحيح والبعض غير قابل، والطباع بعضها يسهل تطويره وبعضها يصعب.. ومن لا يقبل ذاته كما هي بميزاتها وعيوبها، فلن يكون قادراً على قبول " الآخر" كما هو (هي)، كما قد يتعذر عليه تطوير شخصيته إلى الأفضل. 

لا تخلو شخصية من العيوب، غير أن كلمة "عيوب" نسبية إلى حد كبير، حتى أن ما يراه الواحد عيباً قد يراه غيره ميزة.. وربما يحدث ذلك التباين نتيجة احتياج الشخص لاكتساب هذه الصفة التي قد يطلق عليها غيره "عيباً"، أو نتيجة معاناته من "عيب" قد يطلق عليه غيره "صفة مرغوباً فيها"؛ فالزوجة التي تعاني من كون زوجها متردداً في صنع القرارات غير محدد لما يريده بالضبط، قد تعجب برجل متهور أو متعجل في اتخاذ قراراته. 

اكتشف عيوبك : 

يدرك الإنسان عيوبه كلما شعر أن طباعه لا تروق للآخرين، خاصة إذا أبدى أكثر من شخص في أكثر من موقف تضررهم من أسلوبه في التعامل معهم.. وفى الواقع لا يمكن أن يطور الفرد طباعه أو يصحح عيوبه وسلبياته إلا إذا شعر بأنه ليس راضياً تماماً عن ذاته، وما من وسيلة أمام الفرد كي يتعرف بوضوح على الجوانب الإيجابية والسلبية في شخصيته سوى التعامل مع الآخرين، وملاحظة ردود أفعالهم، والأخذ بعين الاعتبار تعليقاتهم ونصائحهم، واستقبالها بموضوعية وبلا حساسية حتى يمكن الاستفادة منها في تطوير الشخصية، والتخلص من سلبيات واكتساب إيجابيات.. والواقع أن من يريد أن ينمي شخصيته إلى الأفضل يتخذ من كل المواقف ومن خبرات التعامل مع الآخرين فرصاً لتفهم ذاته وإصلاحها. فالآخرون يرون "ذاتي" أكثر وضوحاً مما أراها "أنا". 

هناك عيوب جسمانية أو عيوب شخصية أو مزيج من هذه وتلك، كأن يؤدي التركيز على العيوب الجسمانية إلى تأثيرات سلبية على الشخصية.. 


من أمثلة العيوب الجسمانية :

شاب قصير القامة يشعر بعدم الرضا عن ذاته.. شابة لا تتمتع بالقدر المناسب من الجمال الجسدي.. صعوبة نطق بعض الأحرف.. التلعثم في الكلام.. إلخ.. وكذلك أي إعاقة جسمانية. 

ومن أمثلة العيوب الشخصية : 

شخص يعاني من العصبية وسرعة الغضب، أو التردد وضعف القدرة على صنع القرار، أو التسرع في فهم الأمور إلى درجة التهور، أو العاطفية الشديدة أو الحساسية المفرطة، أو المبالغة في الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، أو العناد وفرض الرأي وحب التسلط والسيطرة.. أو السلبية وعدم التعبير عن الرأي الشخصي، أو ضعف الثقة بالنفس وقبول الرأي الآخر بلا أدنى تفكير، أو الخجل الزائد، أو الانطوائية وصعوبة التعامل مع الآخرين، أو التباطؤ الشديد بصورة تبعث على الملل، أو فقر التعبير عن المشاعر العاطفية، أو اللامبالاة وضعف الإحساس بالمسئولية.. إلى آخر تلك الخصال الشخصية.

إذا تأملنا الأمثلة السابقة فسوف نلاحظ أن هناك صفات شخصية ثابتة لا يمكن تغييرها مثل ملامح الوجه وطول القامة.. الخ، كما أن هناك صفات قابلة للتطوير أو التعديل أو التغيير مثل الخجل والانطواء والعصبية والتسرع.. الخ، وسواء هذه أو تلك فإن الشخص لن يقدر أن يتعامل معها إيجابياً ما لم يقبل ذاته أولا كما هي، ومن ثم يمكن أن تبدأ عمليات التنمية والتطوير بالتدرب الشخصي الذاتي وبالإصرار على التغيير إلى الأفضل. 

اِقبَلْ ذاتك : 

أوضحنا أن من لا يقبل ذاته كما هي فليس بمقدوره أن يقبل "الآخر" كما هو (هي)، إذ أن رفض الذات للآخر يؤدي بالتالي إلى صراع دائم معه (معها)، وبالتالي مشكلات زوجية لا تنتهي إذا طبقنا هذه الحقيقة على الحياة الزوجية. 

كل شخص إذا تأمل ذاته فسوف يجد ما لا يعجبه أو ربما يجد ما يكرهه، وقد يتفاعل إزاء ذلك سلبياً فيكره ذاته كلها متجاهلاً ما فيها من ميزات تستحق الرضا والاهتمام والتنمية، وقد يتزايد تركيزه على عيوبه حتى يرفض ذاته، وربما يحسد الآخرين على صفات حسنة فيهم وليست فيه برغم وجود صفات حسنة فيه وليست فيهم..! هذا هو رد الفعل السلبي لما يراه الفرد عيوباً في نفسه. 


أما رد الفعل الإيجابي لما يعتبره الفرد عيوباً، فهو قبول الذات بعيوبها كما بميزاتها، ومحاولة التكيف مع بعض صفات ثابتة (مثل.. قصر القامة) ومحاولة تحقيق أن ينجز الفرد عملاً، أو يبدع شيئاً أو يقدم عطاء يفيد الآخرين، فإنه سوف يشعر بحالة من السعادة والرضا عن الذات، ومن ثم سوف يتكون لديه يقين ثابت بأن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في شكله أو قامته بل في كيانه الداخلي المتمايز، وشيئاً فشيئاً يتصالح الفرد مع ذاته مستمداً اشباعاته وتوازنه النفسي من قيم أخلاقية وروحية أعلى من مجرد الخصائص الجسمانية.

ينبغي أن يتفهم الفرد عيوبه محاولا تصحيحها قدر الإمكان، ومن لا يحاول أن يتفهم عيوبه الشخصية ويتعرف على ضعفاته الخاصة ويواجهها إيجابياً، فليس بمقدوره أن يتفهم أن للآخرين عيوباً كعيوبه، وأن عليه أن يتقبل الآخرين كما هم بكل عيوبهم دون أن يعيِّرهم بها، بل يساعدهم على التغلب عليها بتوفير مناخ الحب والصداقة والتفاهم والموضوعية