إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لاتقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تنهار ولا تتردد اما الضعيف فانة يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

ماذا أعطتني القيامة؟ PDF Print Email
DATE_FORMAT_LC2

تصنيف: القيامة | مقالات روحيه | نيافة الأنبا موسى

لنيافة الأنبا موسى

فالذين لا يؤمنون بالله، ولا بالقيامة، ولا بالدهر الآتي، لا يرون في هذا الوجود سوى التفاهة واللامعنى... وها أمامنا أقوال الوجوديين الملحدين مثل يونسكو وبيكيت:

(1) "هذا الوجود لا طائل منه... إنه تافه وزائد عن الحاجة" (سارتر).

(2) "الإنسان يخرج من ظلمة الرحم، ويمضى إلى ظلمة الحياة، وينتهي إلى ظلمة القبر" (صموئيل بيكيت). 

(3) "هذه الحياة لا تستحق سوى الانتحار، ولكنى لا أفضل ذلك" (كامي).

(4) "ينبغي أن يموت الله لأحيا أنا" (أحد الوجوديين).

(5) "يا أبانا الذي في السموات، اِبقَ فيها" (أحد الوجوديين).

وكما يلاحظ القارئ الحبيب، فإنها أقوال تخلو من النور والمعنى، وتهبط بالبشرية إلى أسافل اليأس والظلمات.
فلنقارن هذا بما قاله سليمان الحكيم، بالروح القدس، عن الإنسان، وعن علاقة الله به: 

"صنع (الله) الكل حسناً في وقته، وأيضاً جعل الأبدية في قلبهم (أي البشر)، التي بدونها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله، من البداية إلى النهاية" (جامعة 11:3).

نعم فالإيمان نور، يشرق على الذهن البشري، فيسكب فيه إيحاءات الاستنارة المقدسة، والفهم السليم، والإدراك الإلهي، لهذا قال الرسول بولس: "بالإيمان نفهم، أن العالمين أتقنت بكلمة الله، حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر" (عب 3:11).. فالإيمان كالتليسكوب الذي يقرب الأمور البعيدة، حتى تدركها العين المجردة المحدودة، وهو الذي يجعل العقل الإنساني المحدود، قادراً على الإدراك الجزئي لعالم غير المحدودات، ولحقائق اللاهوت العليا. وكما لا يستطيع التليسكوب أن يستغنى عن العين المجردة، ولا العين المجردة تستطيع أن تستغني عن التليسكوب، كذلك العقل والإيمان، لا يستغنى أحدهما عن الآخر، لندرك - ولو جزئياً - عالم المالانهاية، ودنيا الخلود. 

ألم يقل الرسول بولس: "ما لم تر عين، وما لم تسمع أذن، وما لم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه، فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء، حتى أعماق الله... لأن أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله..." (1كو 9:2-11).

وهذا ما قاله أيوب الصديق: "بعد أن يفنى جلدي هذا، وبدون جسدي، أرى الله" (أيوب 26:19).

وهو نفس ما ردده الرسول بولس: "إننا ننظر الآن في مرآة، في لغز، ولكن حينئذ وجهاً لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة، ولكن حينئذ سأعرف كما عرفت" (1كو 12:13). 

القيامة إذن، إشراقة نور، على الذهن البشرى المظلم، تعطى الحياة معنى، وتشرح لنا ما غمض علينا!!

والقيامة تعطى الحياة هدفاً:

إذ ما هي غاية وجودنا إن كنا "نأكل ونشرب لأننا غداً نموت" كما كان يقول أصحاب "مبدأ اللذة"؟! (1كو 32:15)... تصوروا إنساناً يولد، ليتعب في حياته اليومية جسدياً وذهنياً وروحياً ونفسياً... يجاهد في الدراسة والعمل والزراعة... ويتقبل ضغوطاً نفسية رهيبة من الحياة اليومية ومصادمات البشر... ثم يصارع مع أعداء الروح: الشهوات والجسد والعالم والذات والشيطان... ويجاهد في تحصيل العلوم والنمو في عمله كطبيب أو مهندس أو معلم... ثم تضعف صحته، وتطحنه السنون والأمراض والمتاعب، لتنتهي حياته إلى لا شيء؟! ما معنى هذا كله، لو لم تكن الأبدية في قلبه، والملكوت أمامه، والخلود مقصده؟

إن هذه الحياة الأرضية الدنيا تتسم فعلاً بالدونية، إذا ما قيست بالحياة الأبدية السمائية، التي تتسم بالتسامي والارتفاع؛ لهذا ترى الكنيسة في الموت رقاداً، اقتداءً بالرب الذي قال عن لعازر إنه "قد نام"...

القيامة - إذن - تعطى الحياة هدفاً وغاية، "هذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 3:17). والمؤمن الحقيقي "سيرته هي في السموات... التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح، الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده..." (في 20:3،21).

ويعلمنا القديس موسى الأسود قائلاً: "اُذكر ملكوت السموات، لكي تتحرك فيك شهوته"، فالملكوت هو الغاية، لهذا أوصانا الرب قائلاً: "اُطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم" (مت 33:6).

بل إنه أعطانا الملكوت داخل قلوبنا، عربوناً للملكوت الخالد في أورشليم السمائية، وذلك حين قال لنا: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 21:17). القيامة إذن تهديف لحياتنا، إذ نتطلع من خلالها إلى الملكوت الأبدي. 

والقيامة تعطى الحياة قيمة

فما قيمة حياتنا الدنيا دون خلودنا الأبدي؟‍! تعالوا نتأملها معاً لندرك شقاءها، منذ حلت عليها لعنة الخطيئة الأولى: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزاً، حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب، وإلى التراب تعود" (تك 17:3-19).

ونفس هذا التعب، كان حكم الله على حواء: "تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك" (تك 16:3).

فما قيمة أرض التعب هذه؟!

الجسد ?: يشقى بالمرض، والسنين، والكوارث الطبيعية كالزلازل، والبراكين، والسيول، والمجاعات، والحروب والأوبئة...

والنفس? : تشقى بالهموم والقلق والاضطرابات النفسية، والصراعات الكامنة والظاهرة، والغيرة، والتحزب، والأنانية..

والذهن: ? يشقى بالجهاد والدراسة والتحليل، والفشل، والقصور، والرغبة في معرفة لا تنتهي وبلا حدود... وكما قال أينشتاين: "كلما ازددت علماً، ازددت إحساساً بالجهالة". 

والروح:? تشقى بالخطيئة والدنس، والانفصال عن الله، وغياب الحكمة السمائية، والرؤى الإلهية... 

لكن... شكراً لله من أجل عقيدة القيامة، لأنه بمقتضاها:
الجسد: ? يقوم جسداً روحانياً، نورانياً، سمائياً، خالداً لا يعتريه المرض، ولا تطاوله الخطيئة، ولا يخضع للموت.

النفس: ? تهدأ بين يدي الله، في عالم لا تتسلل إليه التجارب والقلق والهموم، عالم هرب منه الحزن والكآبة والتنهد، في نور القديسين، وفوق الكل، في شركة مع الله وملائكته وأهل بيته.

الروح:? طاهرة بلا فساد، تدخل إلى فرح الملكوت، وتتمتع بأمجاد القيامة، والجلوس في عرش الله، والتقدم نحو معرفة أعمق بشخصه المحب، وروحه القدوس.

القيامة - إذن - تعطى الطبيعة البشرية قيمة خاصة، وإلا صارت مشابهة للحيوانات التي تنتهي حياتها بموتها، ونفسها في دمها، ولا أبدية لها. 

والقيامة تعطى الحياة رسالة:

فنحن هنا لرسالة محددة، لولاها ما كان للحياة معنى... وهذا ما نتعلمه من معلمنا بولس الرسول، حين يقول: "ولكن إن كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي فماذا أختار؟ لست أدرى! فإني محصور من الاثنين: لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً، ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم. فإذ أنا واثق بهذا أعلم أني أمكث وأبقى مع جميعكم لأجل تقدمكم وفرحكم في الإيمان" (في 22:1-25). 

هو - إذن - موجود على هذه الأرض لرسالة، وهذه الرسالة هي الخدمة، والكرازة بالملكوت، ورعاية أولاده روحياً، حتى يصلوا إلى الرب، ويثبتوا فيه، ويخلصوا به ومن هنا ندرك رسالة وجودنا في هذه الأرض... إنها ليست الأرض، ولا المادة، ولا المناصب، ولا الحياة الطبيعية التي لكل البشر كالزواج والتناسل... إن وجودنا هنا ولهدف جوهري هو: "الخدمة والكرازة بالمسيح"... ليتعرف الكل عليه، ويخلصوا بدمه.. وفي هذا يقول معلمنا بولس الرسول لتلاميذه: "الآن نعيش، إن ثبتم أنتم في الرب" (1تس 8:3)، بمعنى أن هدف حياته الوحيد هو أن يثبت أولاده في الرب، وإلا فلماذا يعيش إذن؟!
لهذا عاش آباؤنا غرباء عن الأرض، واتخذوا مبدأ "الانحلال عن الكل، للارتباط بالواحد" وكان شعارهم: "من لي، في السماء،

ومعك لا أريد شيئاً على الأرض" (مز 25:73).
وهكذا استحقوا أن يعيشوا الملكوت وهم في هذه الأرض، ويتذوقوا الخلود قبل أن يصلوا إلى الشاطئ الآخر، ويحيوا في السماويات، بينما أجسادهم تدب على هذا التراب الفاني.. 

حتى قدماء المصريين، آمنوا بالقيامة والخلود، فبنوا المقابر والأهرامات، وتصوروا أن الروح تصعد مع أشعة الشمس إلى العالم الآخر، حينما تتهادى أشعتها كل يوم على سطح الهرم، وكانوا يضعون تمثالاً يحمل ملامح الجسد بجوار الإنسان المتوفى، لتتعرف الروح على الجسد المتحلل يوم القيامة. كما كانوا يضعون مع الجسد ما كان يحب من ملابس ومأكل ومشرب، كنوع من الإيمان البدائي بحياة بعد الموت. وبعضهم كان يدفن الجسد في وضع القرفصاء، إشارة إلى صورة الجنين في رحم الأم، وانتظارا أن يولد الإنسان ثانية، من رحم الأرض، إلى خلود مقيم. 

حقاً، ما أعجب عقيدة القيامة! وما أهمها لحياتنا الأرضية، وحياتنا الأبدية!! فليتمجد مسيحنا الحي، القائم من الأموات، والذي سوف يقيمنا معه، ويجلسنا معه في السموات.